فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لقد تَرَكَ لنا القومُ أَلُوكَةً تَشرح الأنساب، وتَصِلُ الأسباب، لو أَحْسَنَّا قراءتها، واستِكْنَاه شَفْرَتِها العَصِيَّة إلا على المخلَصِينَ، إنها أَلُوكَة تَحمل لنا ما لم تَحمله الكُتُب الماتِعَة، أو تَحْوِه الأسفارُ الطِّوَالُ.. تحمل لنا أرواح الآباء وأنفاسَهم وحياتهم.. تَحمل عواطِفَهم، وأمشاجَ مشاعِرِهم.. تَحمل زمانهم ومكانهم.. تحمل كل ذلك لتَضَعَهُ بين أيدينا كلَّهُ، فتَسْري به في وِجْدَاناتنا سَرَيانَ الشِّفَاءِ في الجسد العليل، وتتخلل به أرواحنا تَخَلُّل الحياة في الأرض المَوَات.
إنها الأَلُوكَة التي حَمَلَها إلينا إبداعُ العرب القديمُ قِدَمَ الرُّوح العربية.. الباقي بقاءها.
إنها ذلك الرُّوح المُبْهَم الغامض، والجميل كذلك.. ذلك الرُّوح الحميمُ الذي يُشْبِهُ السِّحْرَ.. يُشْبِهُ الأثير.. يُشبه ضحِكاتِ الأطفال، وحِكْمَةَ الكبار.. يُشْبه الحياة.
لقد قلتُ: إنَّ المثقَّفينَ يقرؤون للأوائل، وعن الأوائل؛ لكن أحدًا لن يَلْمَسَ جَذْوة النسَب العربيّ الأصيل دون قراءة أَلُوكَتِه الخالدة.. ذلك الميثاق المُؤكِّد على صدق النسب، واتصال السبب، وتَوَحُّد الرُّوح، ذلك التَّوحُّد الذي يُحِسُّهُ العاشِق حين يُفْضِي إليه المُنَخَّل بزَهْوِهِ:
وَأُحِبُّهَا وَتُحِبُّنِي = وَيُحِبُّ نَاقَتَهَا بَعِيرِي
أو يَهْجِسُ عَنْتَرَةُ:
وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالرِّمَاحُ نَوَاهِلٌ مِنِّي وَبِيضُ الهِنْدِ تَقْطِرُ مِنْ دَمِي
ذلك التوحُّد الذي يَشعر به الثاكِل الباكي في نَجْوَى أبي ذُؤَيْبٍ:
أَمِنَ الْمَنُونِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ! وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
ذلك التوحُّد الذي يَبْجَح به مَنْ يَسْمَعُ ابنَ كُلْثوم:
إِذَا بَلَغَ الْفِطَامَ لَنَا رَضِيعٌ تَخِرُّ لَهُ الْجَبَابِرُ سَاجِدِينَا
ويَطْرَبُ له من يُشْجِيهِ بَشَّارٌ: