لِخَدِّكَ مِنْ كَفَّيْكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى أَنْ تَرَى ضَوْءَ الصَّبَاحِ وِسَادُ
تَبِيتُ تُرَاعِي اللَّيْلَ تَرْجُو نَفَادَهُ وَلَيْسَ لِلَيْلِ العَاشِقِينَ نَفَادُ
ويَهْتَز مَن يُنْشِده المُتَنَبِّيِ:
أَزَالَتْ بِكَ الأَيَّامُ عَتْبِي كَأَنَّمَا بَنُوهَا لَهَا ذَنْبٌ وَأَنْتَ لَهَا عُذْرُ
ويَسْتَأْسِرُ معه لبذَخِ الفَرَزْدَقِ:
وَمَا حَمَلَتْ أُمُّ امْرِئٍ فِي ضُلُوعِهَا أَعَقَّ مِنَ الْجَانِي عَلَيْهَا هِجَائِيَا
ثم يُصْغِي لحكمة الدهر من أبي العلاء:
تَعَبٌ كُلُّهَا الْحَيَاةُ فَمَا أَعْ جَبُ إِلاَّ مِنْ رَاغِبٍ فِي ازْدِيَادِ
إنها تلك الأَلُوكَةُ التي يُحِسُّ رُوحها مَن يُظْلَم من وَجْهَيْن، فَيَضِجُّ مع الصوت الأول:"أحَشفًا وسُوءَ كِيلَة": ومَنْ يَبْذُلُ النُّصْحَ فلا يُجاب، إلا بعدَ الفَوْتِ فيُعَنِّفُ مَنْ"يَدَاهُ أَوْكَتَا وَفُوهُ نَفَخَ"، ومَن تُنْكَر تَجْرِبَتُه فتعْصِمُه"أتُعَلِّمُنِي بِضَبٍّ أنا حَرَشْتُهُ"، وتَغْمِطُهُ العَشِيرَةُ فيتذكَّر:"إذا عزَّ أخوك فهُنْ".
تلكَ هي الأَلُوكَةُ الخالدة التي تَجَاوَزَتْ إلينا عشراتِ القرون، وتخطَّت آلافَ الطَّفَرات والاختراعات؛ لتَتَمَثَّل لنا بكلِّ طريق، ولتشُدَّ على أيدينا في كل أزمة، ولِتُذَكِّرَنا دائمًا بالنَّسَب القديم، والرُّوح التي تَسْرِي في أعماقنا، والإصرار الدَّؤوب الذي حَمَلَتْهُ ملامحُ جَدٍّ قديم - وَسَمُوه بالمَلِكِ الضِّلِّيلِ - وهو يتجاوز التاريخ إلى المَجْد الكبير قبلَ سِتَّةَ عَشَرَ قَرْنًا.. وحيدًا مُثابرًا يُؤَسِّي نَفْسَهُ بأَلُوكَةٍ أُخْرَى تقول:
..... لا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا
ويبقى الشعر:
وَتَسْرِي فِي عُرُوقِ الشِّعْرِ مِنْ أَفْوَاهِنَا رَحِمُ
حَنِينٌ مِنْ صَمِيمِ الْقَلْبِ يَحْدُو شَوْقَهُ كَلِمُ