الحمد لله ؛ الخلقُ خلقُه ، والملك ملكه ، وإليه يرجع الأمر كله ، نعمه على عباده تترا ، وخيره وإحسانه إليهم لا يعد ولا يحصى ؛ أحمده حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ويرضى ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ، واشكروه ولا تكفروه ؛ فكم من نعمة أنزلها ! وكم من نقمة دفعها ! وكم من ضراء كشفها ! لا تضيق بالعبد حال إلا أعقبه الله تعالى بعدها فرجا، وأوجد له منها مخرجا ( فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا ) .
أيها الناس: المال عزيز على النفوس ، يرتفع بزيادته أقوام ، ويسفل بخسارته آخرون ، وهو سبب الجاه ، كما أن الجاه سببه ؛ ولذا كان فقده شديد الوطأة على النفس ، ولكن العاقل من يتمالك نفسه ، ويقلل آثار خسارته ، فإن خسر ماله فلا يخسر دينه بجزعه ، ولا يخسر أجره على مصابه بقلة صبره ، بل الواجب عليه أن يصبر ويحتسب ، وأن يوطن نفسه على الصبر عند الصدمة الأولى ، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قابل مصيبته على خسارته بالرضى عن الله تعالى ، فذلك أعلى المنازل ، وأشرف المقامات ، روى أبو عمرو الكندي فقال: ( أغارت الروم على جواميس لبشير الطبري نحوا من أربع مئة جاموس فركبت معه أنا وابن له ، فلقينا عبيده الذين كانت معهم الجواميس معهم عصيهم ، فقالوا: يا مولانا ذهبت الجواميس ، فقال: وأنتم أيضا اذهبوا معها فأنتم أحرار لوجه الله تعالى ، فقال له ابنه: يا أبت أفقرتنا! قال: اسكت إن ربي اختبرني فأردت أن أزيده )
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ما يصيب المؤمن خير له في كل الأحوال فقال عليه الصلاة والسلام: ( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) رواه مسلم