فهرس الكتاب

الصفحة 3301 من 19127

يقول ابن القيم: (ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر، فَطُلِب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك - مع قدرته عليه - خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك ؛ لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر [56] ، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليه وقوع ما هو أعظم منه) [57] .

قال الشنقيطي: (ويشترط في وجوبه مظنة النفع به، فإن جزم بعدم الفائدة فيه لم يجب، كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} [58] ، وقوله صلى الله عليه وسلم عن أبي ثعلبة الخشني:(( بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ؛ فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام فإن من ورائكم أياماً الصابر فيها كالقابض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم ) )وفي لفظ: قيل يا رسول الله أجر خمسين رجل منا أو منهم ؟ قال: (( بل أجر خمسين منكم ) ) [59] . فهذه الصفات في الحديث: الشح المطاع، والهوى المتبع.. إلخ، مظنة لعدم نفع الأمر بالمعروف، فدل الحديث على أنه إن عدمت فائدته سقط وجوبه [60] .

وعلى المُنْكِر أن ينظر للمصالح المترتبة على إنكاره، فإذا كان المنكر الذي يريد إنكاره سيخلفه شر منه فيحرم عليه الإنكار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت