فهرس الكتاب

الصفحة 3450 من 19127

5-إنَّ العُقود من باب الأفعال العاديَّة، والأصل فيها عدم التَّحريم، وممَّا يدلُّ على ذلك أنَّ الله ذمَّ مُشركي العرب حين حرَّموا أفعالاً لم يحرِّمها الله ورسوله؛ مثل: تَحريم قريشٍ على غير أهل الحرم، أن يطُوفوا بالكَعبة بالثِّياب التي عَصَوْا بها الله؛ بل عليهم أن يطُوفوا عُراةً إلاَّ إذا كانوا حُمْسًا، أو أعار أحْمَسيٌّ أحدهم ثيابه. وأيضًا كان الأوس والخزرج يُحرِّمون على الرَّجل إتيانَ امرأته في فَرْجها، إذا كانت مُجْبِيَةً. وأيضًا كانت قريشٌ تُحَرّم السَّعي بين الصَّفا والمروة. إلى غير ذلك من الأفعال التي أنكرها الله على أهل الجاهليَّة، ولو لم يفعلوها لما لَحِقهم الإنكار. يقول ابن تيميَّة: إذا حرَّمنا العُقود والشُّروط بين النَّاس في مُعاملاتهم العاديَّة بغير دليلٍ شرعيٍّ؛ كنَّا مُحرِّمين ما لم يُحرِّمْه الله، بخلاف العُقود التي تتضمَّن شرْع دينٍ لم يَأذَن به الله، فإنَّ الله حرَّم من الدِّين ما لم يَأْذن به، فلا تُشرع عبادةٌ إلاَّ بشَرْع الله، ولا تُحرَّم عبادةٌ إلاَّ بتحريم الله، والعُقود والمعاملات من العادات التي يفعلها المسلم والكافر، وإن كان فيهما قُرْبةٌ من وجهٍ آخر. فليست من العبادات التي يُفْتَقر فيها إلى شَرْعٍ؛ كالعِتق والصَّدقة [33] . ويوضِّح ابن تيميَّة معنى"لا تُشرَع عبادةٌ إلاَّ بشَرْع الله، ولا تُحرَّم إلاَّ بتحريمه"قائلاً: إنَّ الأحكام الثَّابتة بأفعال العباد؛ كالمِلْك الثَّابت بالبيع، ومِلْكِ البُضْعِ الثَّابِت بالنِّكاح"العباد هم الذين أحدثوا أسباب تلك الأحكام، والشَّارع أثْبتَ الحُكْم لثُبُوتِ سَبَبِه مِنْهُم، ولم يثْبِتْه الشَّارع عليهم ابتداءً؛ كما أثْبَت إيجاب الواجبات، وتحريم المُحرَّمات المُبتدئة. وإذا كان العباد قد أثبتوا ذلك الحُكْم الجُزئيَّ لم يحرِّم الله عليهم أن يرفعوه بأنفسهم؛ لأنَّ مَنْ شرَع شيئًا فهو الذي يرفعه، وذلك أنَّ الأحكامَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت