ولكن انظر إلى سليمان بن عبد الملك؛ صحبه رجاء بن حَيْوَة الكِنْدِيُّ - أحد الأعلام الأفاضل - فقوَّمه وسدَّده، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما بعث الله من نبيٍّ، ولا استخلف من خليفةٍ، إلا كانت له بطانتان: بطانةٌ تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانةٌ تأمره بالشرِّ وتحضُّه عليه، والمعصوم مَنْ عَصَم اللهُ ) )؛ رواه البخاري.
ويقول أيضاً في حديث آخر: (( إذا أراد الله بالأمير خيراً؛ جعل له وزيرَ صدقٍ؛ إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك؛ جعل له وزيرَ سوءٍ؛ إن نسي لم يذكِّره، وإن ذكر لم يُعِنْهُ ) )؛ رواه أبو داود والنَّسائي.
فانظروا أيها الإخوة إلى مدى تأثُّر الجليس بجليسه، واختاروا لأنفسكم ولمن وُلِّيتم أمرَهم أهل التُّقى والصلاح، وتجنبوا أهل الشرِّ والفساد؛ ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقيّ ) )؛ رواه الإمام أحمد والترمذي.
وعن وَدِيعَة الأنصاري قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول وهو يعظ رجلاً:"لا تتكلم فيما لا يعنيك، واعتزل عدوَّك، واحذر صديقك، إلا الأمين، ولا أمين إلا من يخشى الله عزَّ وجلَّ ويطيعه، ولا تمش مع الفاجر فيعلِّمك من فجوره، ولا تطلعه على سرِّك، ولا تشاور في أمرك إلا الذين يخشون الله سبحانه".
ووعظ بعضهم ابنه، فقال له:"إياك وإخوان السوء؛ فإنهم يخونون مَنْ رافقهم، ويفسدون من صادقهم، وقُرْبُهم أعْدَى من الجَرَب، ورفضهم والبعد عنهم من استكمال الدين الأدب، والمرء يعرف بقرينه، والإخوان اثنان: فمحافظ عليك عند البلاء، وصديقٌ لك في الرخاء؛ فاحفظ صديق البلية، وتجنَّب صديق العافية، فإنهم أعدى الأعداء".
وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
فَمَا أَكْثَرَ الإِخْوَانَ حِينَ تَعُدُّهُمْ وَلَكِنَّهُمْ فِي النَّائِبَاتِ قَلِيلُ.