فهرس الكتاب

الصفحة 5501 من 19127

وأنا فلستُ أدري أهذا هو النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يتكلَّم في الإنسانية وحقوقها بِكلام بيِّن صريح لا فلسفةَ فيه، يجعل ما بين الإنسان والإنسان من النية هو ما بين الإنسان وربِّه منَ الدين؛ أم هي الإنسانية تَنْطِقُ على لسانه بهذا البيان العالي، في شعر من شعرها ضاربة فيه الأمثال، مشيرةً فيه إلى الرموز، واضعة إنسانَها بين شِدَّة الطبيعة ورحمة الله، مُحَكِّمَةً عناصر روايتها الشِّعْرِيَّة، مُحَقِّقَةً في بيانِها المكشوفِ أَغْمَضَ معانِيها في فلسفةِ الحاسَّة الإنسانية حين تتَّصل بأَشْيائِها فتظهر الضرورة البشرية، وتختفي الحِكمة، وفلسفة الروح حين تتصل بهذه الأشياء ذاتها، فتظهر الحكمة وتختفي الضرورة، مُبِينَة أثر هذه وتلك في طبيعة الكون، مقَرِّرَة أنَّ الحقيقة الإنسانية العالية لن تكون فيما ينال الإنسان من لذَّتِه، ولا فيما يُنجِح من أغراضه، ولا فيما يُقنِعه من مَنْطِقِهِ، ولا فيما يَلُوح من خياله، ولا فيما ينتظم من قوانينه؛ بل هي السُّمُوُّ على هذه الحقائق الكاذبة كلِّها، وهي الرحمة التي تَغْلِبُ على الأَثَرَةِ فيُسَمِّيها النَّاسُ بِرًّا، والرحمة التي تغلب على الشهوة فيُسمّيها الناس عِفَّة، والرحمة التي تغلب على الطمع فيسميها الناس أمانة؛ وهي في ضبط الروح لَثَلاثٌ من الحواسِّ: حاسة الدَّعَة، التي يقوم بها حظُّ الخُمُول، وحاسَّة اللَّذَّة التي يقوم بها حظُّ الهوى، وحاسة التملُّك التي يقوم بها حظُّ القوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت