وتَزيد الإنسانية على ذلك في نَسَقِ شِعرها أنها تُثبِت أن البِرَّ من العِفَّة والأمانة هو على إطلاقه كالأساس لهما؛ فمَن نشأ على بِرِّ أبويه كان خَلِيقًا أن يتحقق بالعِفَّة والأمانة، وأن العِفَّة من الأمانةِ والبِرِّ هي مِساكُهُما وجامعتهما في النفس، وأن الأمانة من البِرِّ والعِفَّة هي كمال هذه الفضائل، وكلُّهن درجاتٌ لحقيقة واحدة؛ غيرَ أنَّ بَعْضَهَا أَسْمَى من بعض في الشأنِ والمَنْزِلَةِ، وبعضها طريقٌ لبعض يَجُرُّ سببٌ منها سببًا منها، وأن الرحمة الإنسانية التي هي وَحْدَها الحقيقةُ الكبرى، إنَّما هي هذا الحبّ بادئًا من الولد لأبويه، وهو الحبّ الخاصّ؛ ثم من المُحِبُّ لحبيبته وهو الحبُّ الأخص، ثم من الإنسان للإنسانية، وهو الحبّ مطلقًا بعمومه وبغير أسبابه الملجِئة من الحاجة والغريزة؛ وهي درجاتٌ كدرجات الحياة نفسها من طفولتها إلى شبابها إلى الشيخوخة، ومن العاطفة إلى الرغبة إلى العقل.
ثُمَّ إنَّه ما دام كمالُ الفضيلة هو الأمانةَ، فما قَبْلَهَا أنواعٌ منها؛ فَبِرُّ الولد أمانة الطبع المتأدِّب، وعِفَّة المحبِّ أمانة الكريم، والثَّالِثة أمانة الخُلُق العالي وهي أسماهُنَّ؛ لأنها لن تكون خُلُقًا ثابتًا إلا وقد خضع لقانونها الطبعُ والقلب، ودخل في أسبابها الأدبُ والكرم؛ فالأمانة الكاملة في هذه الفلسفة هي الأمانة للإنسانية العامة المتصلة بالمرء من أبعد جهاته، دون الإنسانية الخاصة بكل شخص من أب، أو أم أو قريب، ودون التي هي أخص وهي إنسانية الحب.