والحديث كالنَّصِّ على أنَّ هذه الرحمة في النفس هي الدين عند الله، لا يصلح دين بغيرها، ولا يقبل الله صَرفًا ولا عَدْلاً من نفس تخلو منها؛ وإذا كانت بهذه المنزلة، وكانت أساسَ ما يُفَوَّضُ على الإنسان من الخير والحقِّ، فهي من ذلك في معنى الحديث أساسُ ما يُصلِح هذه الإنسانيةَ من الشرِّ والباطل؛ وبهذا كلِّه تكون الغايةُ الفلسفيةُ التي ينتهي إليها كلامه - صلى الله عليه وسلم - أنَّ تَنْشِئَةَ الناس على البِرِّ والعِفَّة والأمانة للإنسانية هي وَحْدَهَا الطريقةُ العملية الممكنة لحَلِّ معضِلة الشرِّ والجريمة في الاجتماع البشريِّ، وانظر كيف جعل نهاية السمُوِّ في رحمة المال، الذي يصِفُونه بأنه شقيق الروح؛ فكأنَّ الإنسان لا يَخرُج فيها لغيره من بعض ماله؛ بل يَنْخَلِعُ من بعض رُوحه؛ وهذا يقرر لك فلسفةً أخرى: أن السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون الأخذ، وأنَّ الزائفة هي في الأخذ دون العطاء، وذلك آخِر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق، فما المرء إلا ثمرة تنضج بموادِّها، حتى إذا نضجت واحلولتْ، كان مظهرُ كمالِها ومنفعتها في الوجود أن تَهَبَ حلاوتها، فإذا هي أمسكتِ الحلاوة على نفسها لم يكن إلا هذه الحلاوةُ بعينها سببٌ في عَفَنِها وفسادها من بعدُ، أَفَهِمْتَ؟...
وما دمنا قد وصفنا رحمة المال، فإنَّا نُتِمُّ الكلام فيها بهذا الحديث العجيب في فنِّ تمثيله وبلاغةِ فنِّه:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( مَثَلُ البخيلِ والمنفِقِ كمَثَل رجلينِ عليهما جُبَّتانِ من حديد، من ثديهما إلى تَراقيهما؛ فأما المنفِق فلا ينفق إلا سَبَغَتْ [19] أو وفرت على جلده حتى تُخفِي بنانه [20] وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفِق شيئًا إلا لزِقت كلُّ حَلْقَةٍ مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع ) ). انتهى.