فهرس الكتاب

الصفحة 5505 من 19127

فأنت ترى ظاهر الحديث، ولكنَّ فنَّه العجيب في هذا الحديد الذي يراد به طبيعة الخير والرحمة في الإنسان، فهي من أشَدِّ الطبائع جمودًا وصلابة واستعصاء، متى اعترضَتْها حظوظُ النفس الحريصة وأهواؤُها، ومع ذلك فإن السخاء بالمال يَبسط منها، وينتهي في الطبع إلى أن يجعلها لَيِّنَةً، فلا تزال تمتدُّ وتُسبِغ حتى يكون كمال طَبْعِ السخاء هو كمالَ طَبْعِ الخير في النفس الكريمة، فمَن ألزم [21] نفسَه الجود والإنفاق، رَاضَها [22] رياضة عملية؛ كرياضة العَضَلِ بأثقال الحديد، ومعاناة القوة في الصراع ونحوِهِ، أمَّا الشُّحُّ [23] فلا يناقض تلك الطبيعة؛ ولكنه يَدَعُها جامدةً مستعصِيَةً، لا تَلِينُ ولا تستجيب ولا تتيسَّر.

وقد جعل الجُبَّة منَ الثُّدي إلى التراقي، وهذا من أبدع ما في الحديث؛ لأن كلَّ إنسان فهو منفِق على ضروراته، يستوي في ذلك الكريم والبخيل، فهما على قَدْرٍ سواءٍ من هذه الناحية؛ وإنما التفاوُت فيما زاد وسبغ من وراء هذا الحد، فههنا [24] يبسط الكريم بَسْطَهُ الإنسانيَّ، أمَّا البخيل فهو يريد لأنه إنسان، والإرادة علم عقلي لا أكثر، فإذا هو حاول تحقيق هذه الإرادة، وقع من طبيعة نفسه الكزَّة فيما يعانيه مَن يُوَسِّع جُبَّةً منَ الحديد، لزقت كل حلقة من حلقاتها في مكانها، فهي مستعصية متماسكة، فهو يوسعها فلا تتسع.

ألا ترى كيف تَتَوَجَّهُ الحُجَّة، وكيف تَدِقُّ الفلسفة، وهي في أظهر البيان وأوضحه؟ وهل تَحْسَبُ طبيعة البخيل في دقائقها النفسية لو هي نطقت - بالغةً من وصف نفسها هذا المبلغَ من جمال الفنِّ وإبداعه؟ وهو بعدُ، وصف لو نُقِلَ إلى كل لغات الأرض لَزَانَهَا جميعًا، ولكان في جميعها كالإنسان نفسه؛ لا يختلف تركيبه؛ فلن يكون بثلاثة أعين، لا في بلاد شكسبير ولا في بلاد الزنوج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت