إن كلام نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - يجب أن يُتَرْجَمَ بفلسفة عصرنا وآدابه، فستراه حينئذ كأنما قيل مرة أخرى من فم النبوة، وستراه في شرحه الفلسلفيِّ كالأزهار الناضرة: حياتها بَشَاشَتُها في النور؛ وتعرِفُهُ إنسانيةٌ قائمة، تُصَحَّحُ بها أغلاط الزمن في أهله، وأغلاط الناس في زمنهم؛ وتجِدُه يَرِفُّ على البشريَّة المسكينة بحنانٍ كحنان الأم على أطفالها، والناس الآن كالأطفال غابت أمهم، فهُمْ في تنافُر صِبيانِيٍّ ... وما الأم بطبيعتها إلا الميزانُ لاستبدادهم، والحِكمةُ لطَيْشِهِمْ، والائتلافُ لتنافرهِم [25] والنظامُ لعَبَثِهِمْ [26] وبالجملة: فحنان قلبها الكبير هو القانون لكل قضايا هذه القلوب الصغيرة.
وقد كتبنا في فلسفة الأدب وحقيقته ومعانيه الإنسانية، وأن الأديب التامَّ الأداةِ هو الإنسان الكونيُّ، وغيره هو الإنسان فقط، وأن عِلْمُ الأديب هو النفسُ الإنسانية بأسرارها المتجهةُ إلى الطبيعة، والطبيعة بأسرارها المتجهة إلى النفس؛ ولذلك فمَوْضِعُهُ من الحياة موضعُ فِكرةٍ حدودُها من كل نواحيها الأسرار، وأن الأديب مكلَّفٌ تصحيحَ النفس الإنسانية، ونَفْيَ التزوير عنها، وإخلاصها مما يلتبس بها على تتابع الضرورات، ثم تصحيح الفكرة الإنسانية في الوجود، ونفي الوثنية عن هذه الفكرة، والسمو بها إلى فوق ثم إلى فوق، ودائمًا إلى فوق.