فإذا تدبَّرْتَ هذا المقال، واعتبرتَ كلامَ النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما بيَّنَّا وشَرَحْنا، وأخذتَهُ من عصره ومن العصر الذي نعيش فيه، ونظرتَ إلى ألفاظه ومعانيه واستبرَأْتَ [27] ما بَيْنَها من خواصِّ الفَنِّ بِمِثْلِ ما نبَّهناكَ إليه من التأويل الذي مرَّ بِكَ، وعلمتَ أنَّ كُلَّ حقيقةٍ فنية لا تكون كذلك إِلا بخاصة فيها، وأنَّ سِرَّ جمالِها في خاصتها، إذا جمعتَ ذلك لم تَرَ مذهبًا عن الإقرار بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما هو أعظم نبيٍّ وأعظمُ مصلِحٍ، فهو أعظم أديب؛ لأن فنَّه الأدبيَّ أعظم فنٍّ يحقِّق للإنسانية حياة أخلاقها، وهو بكل ذلك أعظم إنسان، صلى الله عليه وسلم.
فالفنُّ في هذه البلاغة هو في دقائقه أثرُ تلك الروح العليا بكل خصائصها العظيمة، التي يحتاج إليها الوجود الروحانيُّ على هذه الأرض، ولذا ترى كلامه - صلى الله عليه وسلم - يخرج من حدود الزمان؛ فكل عصر واجدٌ فيه ما يقال له، وهو بذلك نُبُوَّةٌ لا تنقضي، وهو حي بالحياة ذاتها؛ وكأنما هو لون على وجه منها - كما ترى - البياضُ مثلاً، هو اللون على وجه طائفة من الجنس البشري..
فإذا نظَرْتَ فِي هذا الفَنِّ فانظرْه في حديثه، وفي عمله، وفي الدنيا التي أَلَّفَها من التاريخ تأليفَ القطعة البليغة النادرة من الكلام، ورُدَّ كلَّ ما تدبَّرْتَهُ [28] من ذلك إلى الروح الجديدة على تاريخ الأرض؛ فَلَتَعْلَمَنَّ حينئذ أنَّ كل بليغ هو شمعة مضيئة، صنعتْ لها مادةُ النور نورًا وجمالاً، بجانب هذه الشمس التي خُلِقَتْ فيها مادة النور نورًا وجمالاً وحياةً وقوَّة؛ هناك نور لذي عينين، وهنا النور لكل ذي عينين؛ وذاك يتخايل كالحُلم، وهذا يفصح كالحقيقة؛ وذلك ضوء من حوله الظلمة دانية، وهذا قد طَرَدَ الظلمة عن نصف الدنيا إلى نصف الدنيا، والأوَّل نور بلا روح، والثاني هو روح النور.