فهرس الكتاب

الصفحة 5522 من 19127

إن الشهواتِ والمصالحَ إنما هي حَصْر النفس في جانب من الشعور محدودٍ بلذاتٍ، وهُموم، وأحاسيسَ تجعل غَرَضَ الإنسان في الإنسان نفسِهِ، فهو كما يملأ مَعِدَتِهِ، ويتأنَّقُ في الاختيار لها، يُريدُ من كل ذلك أن يملأ شَخْصَهُ على هذه الطريقة بعينها، طريقة إشباع مَعِدَتِهِ... وبهذا تسخر منه حقائق الكون؛ لأنها لا تُحَدُّ بشخص، ولا تنحصر في أحد، وكلُّ مَن كانت حُدُودُهُ الإنسانيةُ، جسمَهُ، ولذاتِ جسمِهِ: فهو في مقدار هذا الكون كالميِّت المحدود من الأرض كلِّها بقَبْرِه، وتُرابِ قَبْرِهِ؛ وإنه لَيَجِدُ جِسْمَهُ، وأكاذيب الطبيعة عليه، ولكنه لن يجد الروح وحقائقها؛ وإذا لم يجد هذه فَلَنْ يَعْرِفَ الكَوْنَ وأسراره، وإذا فَقَدَ هذا فهو الحاضر الضيِّقُ المُشَوَّهُ المكذوب، ومن ثَمَّ فَفَنُّهُ شهوة إحساسه وإن كان مخدوعًا، وشهوة نظره وإن كان مُلَبَّسًا عليه، وشهوة خياله وإن كان التمويه، والمزوَّر، والحاضر الضيق المشوَّه المكذوب الخادع هو المسمى في لغة القرآن والحديث"بالدينا"فإذا اتَّسع الإنسان لروحه، وأدرك حقيقتها، ووعى ما بينها وبين الكون، وأخذ يحقق هذه الروح السماويةَ في أعماله، وتَخَطَّى حدودَ جسمه إلى فِكْرَةِ الخلود، فهذا كلُّه هو المسمَّى في لغة القرآن والحديث"بالآخرة"فهما كلمتان في منتهى الإبداع من الفَنِّ، والفلسفة وعلى ذلك يُؤَوَّلُ قوله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته: (( من كان هَمُّهُ الآخرةَ جَمَعَ الله شَمْلَهُ، وجعل غِناهُ في قَلْبِه، وأَتَتْهُ الدُّنيا وَهِيَ راغمةٌ [48] ومن كان هَمُّهُ الدنيا فَرَّقَ الله أمره، وجعل فَقْرَهُ بين عينيه، ولم يأته من الدينا إلا ما كُتِبَ له ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت