وأنت إذا فَسَّرْتَ هذه الكلمات بما وَصَفْنا لك ووَجَّهْتَهَا على ذلك التأويل، رأيت عجائبَ معانِيها لا تنقضي، وأدركتَ سرَّ قوله - صلى الله عليه وسلم: (( إني على علم من الله عَلَمَنِيهِ ) )، فاتساع الذات الإنسانية، ومادَّتها لحقائق الكون يجعل الإنسان كالكون نفسه، مجتمِعًا غيرَ مُفَرَّقٍ على هُموم الحياة، ويجعل الغِنَى معنًى لا مادَّة، ولو امتلك إنسانٌ منَ الناس كلَّ ما طلعت عليه الشمس، وكان له كَنْزٌ في المشرق، وكنز في المغرب لما بلغ شيئًا قليلاً من لَذَّةِ هذا المعنى في قلبه، وفي هذه الحالة تصبح الدنيا العريضةُ التي يَهْلِكُ الناس في تحصيلها، وليست إلا ضرورة صغيرة قد تكون في ثوب، ولُقَيْمَاتٍ، ونحوها مما لا خطر له، وهذا هو إرغامها وهي مالكةُ الملوك، فإذا ضاق الإنسان عن روحه أصبحت النفس كالمنخل يوضع الدقيق الناعم فيه ليخرج منه فيُمْسِكُهُ كلَّه ولا يُمْسِكُ منه شيئًا، وُضِعَ بين عينيها معنى الفقر، فهي تعمل أبدًا لتمتلئ، ولا تمتلئ أبدًا، وإذا كان المنخل متَّخَذًا على الطريقة التي صُنع بها ففَقْرُهُ - ولا جَرَمَ - مُعَلَّقٌ عليه من ذات تركيبه"أَفَهِمْتَ"؟