ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - متساوقًا [49] مع الحقيقة، متَّصِلاً بها محدودًا بربَّهِ لا بنفسه كان لذلك خارجًا من حاضر ما نحن فيه، ممتدًا بمعناه الإنساني الكامل إلى المستقبل الذي وراء الحياة، فما نحصره نحن بطبيعتنا في بعض الأسماء لا يلتفت هو إليه بطبيعته، ومن ذلك أوصاف الغنى، والحِلْيَةِ، والنعيم، والمتاع، والجمال، والمَطْعَمِ، والمَشْرَبِ، وما داخَلَ الطبيعة من مثل معانيها، وما جرى هذا المَجرى فهذا كله يراه الناس من جهة الحاجة إليه والمطمع فيه؛ إذ كان ضعف إدراكهم، وضِيق وَعْيِهم، مما يُبْدِعُ لهم أكاذيبَ الخيال، فتجيء من ذلك أوصافهم وفنون أوصافهم، أما النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فيرى ذلك من ناحية الغِنى عنه والسمُوِّ عليه إذ كان لا ينظر بطبيعة روحه العظيمة إلا أعلى النظرين، وأَطْهَرَهُما فآخِر إدراكنا للحقيقة والطبيعة أوَّلُ إدراكه هو الطبيعة، والحقيقة وما تَعْجِزُ عنه الإنسانية تبدأ منه النبوَّة.
وعلى هذا: فإن من أقوى البراهين على كماله - صلى الله عليه وسلم - ونُبُوَّتِهِ، واتساع روحه، ونفاذِ إدراكه لحقائق الكون، أنه لم يتبسط في تلك الفنون كما يصنع البُلغاء، ولم يأخذ مأخذهم فيها؛ إذ كانت كلها من أكاذيب القلب، والفِكر، والعين.
وفي قانون الحقيقة أن الأشياء هي كلُّ الأشياء، وهي كما هي، أما في قانون الكذب، فالأشياء كلها هي ما تختاره أنت منها، وكما تختاره.