فهرس الكتاب

الصفحة 5564 من 19127

يُلحظ شيء مما ذكرنا عند أبي عبيدة وابن قتيبة والأخفش من المتقدمين, ومن المتأخرين نسبياً: البيضاوي والخازن وابن الجوزي, وهي أحكام لا تخلو من تجوُّز؛ لأننا لا ندعي أنها صادرة عن تتبع واستقراء, وإنما هي ملحوظات تتابعت من مداومة النظر في كتبهم, وقد يشهد لها ما سيأتي من أمثلة في ثنايا هذا البحث، يرى الحذاق من العلماء أن في هذا المسلك قصوراً؛ لأن بعض أصحابه"راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به وسياق الكلام" [15, جـ1, ص 67] , وللشاطبي كلام قريب من هذا [18 , جـ3 , ص 853] , ومن قبل الإمام الطبري الذي عُني بالسياق تأصيلاً وتطبيقاً كما أسلفنا, ونعى على من تجاهله [ 20, جـ12 , ص234] , وتبعه في ذلك كثيرون؛ كابن عطية [25, جـ 10, ص 20] والزمخشري [26, جـ3, ص118] .

ومن الذين أسهموا في إبراز دور السياق واستثمروه الراغب الأصبهاني (ت 502 هـ) ، في كتابه (مفردات القرآن) , فقد أثنى الزركشي على منهجه وهو يتحدث عن تفسير بعض آي القرآن الذي لم يرد فيه نقل, حيث قال:"وطريق التوصل إلى فهمه: النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب، ومدلولاتها، واستعمالاتها، بحسب السياق, وهذا يعتني به الراغب كثيراً في كتاب (المفردات) , فيذكر قيداً زائداً على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتنصه من السياق" [27, جـ2, ص172] .

يمكن القول على هدًى مما تقدم: إن السياق قرينة متميزة في مجال تحليل الخطاب، والكشف عن المراد، إذا أحسن استعماله, ووضع في نصابه, بأن لا يهمل اكتفاء بتحليل البناء اللغوي؛ لأن هذا وحده لا يرشد إلى دلالة الكلمة، لا مفردة ولا مقرونة بغيرها، لما أسلفنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت