جاء في سياق القصة قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45] ، وهذا شاهد قوي على أن الذي نسي، ثم ذكر بعد عدة سنوات هو الساقي, وبهذا التوجيه ينتظم السياق؛ فتصبح (اذكرني) الأولى و (ذكر ربه) الثانية مسندة إلى الساقي, ويكون (عند ربك) و (ربه) أيضاً مراداً بهما الملك رب الساقي.
إن هذا التوجيه أنسب إلى الساقي, وأليق بحال يوسف - عليه السلام, وأقرب إلى شخصية الساقي, وما ذهب إليه صاحب (التحرير) [28, جـ12 , ص 278] حين جعل الضميرين يعودان على يوسف والساقي في آنٍ واحد بعيد, وفيه اضطراب, وإن بدا أنه جمع بين التوجيهات السابقة.
يسهم السياق أيضاً في الانتصار لقاعدة عود الضمير إلى أقرب مذكور في مواطن كثيرة, منها ما جاء في قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} [مريم: 24] .
تباينت وجهات نظر المفسرين في تعيين المنادي لمريم, فقال بعضهم: المنادي هو جبريل - عليه السلام - [36,جـ11, ص 93؛ 40 , جـ8 , ص 151] , لأنه أخبرها بما من شأنه أن يكون توجيهاً من الله تعالى.
قالت طائفة [35, جـ21, ص 174] : المنادي هو عيسى - عليه السلام, ودليلهم سياق الضمائر, وعودة الضمير في (فنادها) إلى أقرب مذكور، وهو عيسى - عليه السلام.
يؤيد هذا أن الضمائر السابقة في سياق واحد, وكلها تعود إلى عيسى, (ولنجعله) (ورحمة منا) , (فحملته) , (فانتبذت به) , (فنادها) , فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر، كلها عائد إلى عيسى عليه السلام اتفاقاً, إلا ضمير (فنادها) , فإلحاقه بها أنسب للسياق [17,جـ2, ص 628] .