اجتهد بعض المفسرين [39, جـ4, ص14؛ 56, جـ3, ص451] في التوفيق بين دلالة الحديث ودلالة السياق, بأن جعلوا ما ورد في الآية يحدث مرتين, أو أنها حالات خاصة تحدث لمن ماتت وهي ترضع، أو وهي حامل, أو أن ما يحدث يوم القيامة مما تضمنته الآيات عبارة عن تمثيل وتخييل لبيان هول الموقف.
و ليس يبعد بعض ما ذكر من تأويل لولا افتقاره إلى الدليل, يبد أن ما يعنينا هنا حرص المفسرين على عدم إهمال دلالة السياق، حتى مع وجود أحاديث صحيحة ذات صلة بالآية, وهذا يدل على مكانة السياق عندهم.
يندرج تحت هذا القسم توجيه أسباب النزول وتقويمهما في ضوء السياق؛ كونها من الآثار, وقد سلك هذا المسلك كثيرون من آخرهم وأكثرهم توسعاً الطاهر ابن عاشور في تفسيره، حين عرض كثيراً من أسباب النزول على سياق الآية, وردها لعدم مناسبتها لهذا السياق من وجهة نظره, ولا يتسع المقام للعرض لهذا المنهج وتقويمه [11] .
وقد يحول الإجماع دون اعتبار السياق أيضا, وتجاهل هذا يفضي إلى ضرب من ضروب التفسير المذموم, بخاصة إذا كانت دلالة هذا السياق ضعيفة, وهو ما نجده عند مدرسة المنار في تفسيرها لقول الله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106] .
الآية لغة: العلامة والأمارة، وأطلقت على المعجزة؛ لأنها علامة دالة على صدق الرسول, وهي في هذه الآية المذكورة: القطعة من القرآن. ونقل الرازي إجماع المفسرين على هذا, وشذ أبو مسلم (ت322هـ) [35, جـ3, ص208؛ 28, جـ1, ص 656] فحملها على التوراة والإنجيل، وخلافه غير معتبر.