ومنَ التخطيط الذي تُطَالِعُنا به السيرةُ النبوية أنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يَتْرُك فُرصة، ولا مَجالاً للدَّعوة إلاَّ سَلَكه، فلمَّا قُوبِلَ مِنْ قومِه بالتكْذيبِ، والإعْرَاض، والعِنَاد، وتعذيب أصحابه، وإيذائِه - صلى الله عليه وسلم - حتى بَلَغ بِهِمُ الأمرُ أن يَهُمُّوا بقتله، شرع يبحث عن مجال آخَرَ، فذَهبَ إلى الطائف، وعَمَدَ إلى نَفَر من ثَقِيف فدعاهم إلى الله فلم يَقْبَلُوا دعوته؛ بل أَغْرَوْا به سُفهاءَهم، وعبيدهم؛ يسبُّونَه ويَصيحُون به، فلَجَأ إلى بستان وقال:"اللهُمَّ إليكَ أشْكُو ضعف قوتي، وقلة حِيلَتي، وهَوَاني على الناس، يَا أرحم الرَّاحمينَ، أنت رب المستضعفينَ، وأنت ربي، إلى مَنْ تَكِلُنِي؟! إلى بَعِيد يَتَجَهَّمُنِي؟! أَم إلى عدو مَلَّكْتَهُ أمري؟! إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أُبَالي، ولكن عافيتك هي أَوْسَع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشْرَقَتْ له الظُّلمات، وصلح عليه أمرُ الدنيا والآخرة، من أن تُنزل بي غضبَك، أو يحلّ عليَّ سَخَطُكَ، لك العُتْبَى حتى تَرْضى، ولا حول ولا قوة إلا بِكَ" [1] .
فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مَكَّة، وقومه أشدّ ما كانوا عليه من العَدَاء، ومُفارقة دينه إلا قليلاً ممن آمن به من المُستضعفينَ، فكان - صلى الله عليه وسلم - يَعْرِض نفسَه على قبائل العرب في المواسم يَدْعُوهم إلى الله، ويُخْبِرُهم أنه نبيٌّ مُرْسَل، ويسألهم أن يُصَدِّقُوه ويمنعوه حتى يُبَيِّنَ لهم ما بَعثَهُ الله به.
وفي"سيرة ابن هشام"تفصيلٌ لتلك القبائل التي عَرَض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه عليها؛ فمن ذلك النَّصّ الآتي:
"قال ربيعة بن عَبَّاد الدِّيلِيّ: إني لَغُلامٌ شابٌّ مع أبي بِمِنًى، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقفُ على منازل القبائل من العرب، فيقول:"