"كنتُ فيمن حَضَر العَقَبَة الأُولى على أن لا نُشْرِكَ بالله شيئًا، ولا نَسْرِقَ، ولا نَزْنِيَ، ولا نقتلَ أولادَنا، ولا نَأْتِيَ ببُهْتان نَفتريه بين أيدينا وأرجُلِنا، ولا نَعْصِيَه في معروف. فإن وفَّيْتُم فلَكُمُ الجنةُ، وإن غَشيتم من ذلك شيئًا فأُخِذْتُم بِحَدِّه في الدنيا فهو كَفَّارة له، وإن سُتِرْتُم عليه إلى يوم القيامة فأَمْرُكم إلى الله - عزَّ وجلَّ - إن شاءَ عَذَّب، وإن شاء غَفَر [3] ."
وأرسل لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُصْعبَ بنَ عُمَيْر العَبْدَريَّ، وعبدالله بنَ أمِّ مَكْتُوم - وهو ابن خالة خديجةَ - يُقرِئانِهمُ القُرآن، ويُفَقِّهانِهم فِي الدِّين.
وكان مصعب - رضي الله عنه - رجلاً حكيمًا، يَعْرِف كيف يدعو إلى الله بالحكمة والموعِظَة الحسنة، وحُسْنِ التأتِّي، وقد سبق له أنْ هاجَر إلى الحبشة وعادَ.. ونزل مصعب على أبي أُمامة أسعدَ بنِ زُرَارة، وصار يَدْعُو إلى الله الناسَ جميعًا؛ منَ الأَوْس والخزرج وغيرهم، ويَبْدُو أنه نَجَح في الدعوة، واستجاب له الجَمُّ الكثير.
وبينما هو في بستان مع أسعدَ بنِ زُرَارةَ، فُوجِئ بدخُول رجلٍ قويّ يُريد الإساءَة إليه.
ذلك أنَّ سعد بن معاذ - رئيس قبيلة الأَوْس - قال لابن عمه أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ:"ألا تقوم إلى هَذينِ الرجلينِ - يريد مُصْعبًا وابنَ أمِّ مكتوم - اللَّذَيْنِ أَتَيَا يُسَفِّهَانِ ديننا، ويُغْريانِ الضُّعفاءَ من قومنا بالدخول في دينِهما، فقُمْ وازْجُرْهُمَا."
فاستجابَ أُسَيْدٌ لدعوة سعد، وقام يحمل حَرْبته وجاء إلى البُسْتان الذي فيه مُصعبٌ.. فلمَّا رآه أسعدُ بنُ زُرَارةَ قال لمصعب:
"هذا سيد قومه، وقد جاءَك فاصْدُقِ اللهَ فيه".
فلمَّا وقف عليهِما قال:"ما جاء بكما؟! تُسَفِّهَان ضُعفاءَنا؟! اعْتَزِلا إن كان لكما بأنفُسكُما حاجة".