فهرس الكتاب

الصفحة 5919 من 19127

ولننظر شاهداً عما قلناه هنا في قصة الاستقساء التي حدثت في دمشق سنة 1380هـ/ 1960م وسوف نقتطف شذرات مما جاء في حديثه عن هذه القصة، ومما قاله في خطبته يوم الاستسقاء.

قال الشيخ الطنطاوي:"مر الشتاء كله، ولم تنزل الأمطار، بل لقد تجرأ واحد من الحكام يومئذ فقال في خطبة له ألقاها:"إننا سنتخذ من (التكنولوجيا) وسائل جديدة تغنينا عن استجداء السحاب، وانتظار المطر. وكانت كلمة فاجرة من عبد ضعيف مدع لا يستطيع إذا حبس الله الغيث أن ينزله، ولا إذا غيض الله العيون أن يفيضها، ولا يملك لنفسه، فضلاً عن أن يملك لغيره نفعاً ولا ضراً"."

ودعا العلماء أهل دمشق إلى صلاة الاستسقاء في سفح جبل قاسيون. وقال الشيخ يصف ذلك بقوله:"غص السفح كله بالناس كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، وصلينا صلاة الاستسقاء، ثم قمت بعدها، فخطبت خطبة لم أتعمد فيها بلاغة اللفظ، ولم أنظر فيها إلى عمق التأثير، ولم أطلب إعجاب الناس، بل لقد حاولت بمقدار ما استطعت أن أنساهم، وأن أوجه قلبي كله لله، ثم تكلم السيد مكي الكتاني - رحمه الله - فكان كلامه أعظم من كلامي؛ لأنه كان من أرباب القلوب، وإن لم يكن من كبار العلماء. فبلغ كلامه من نفوس الناس ما لم يبلغ كلامي، وسيطرت على الجميع عاطفة إيمانية عجيبة، ليست من صنعي ولا من صنعه، ولم تكن لخطبته ولا لخطبتي، ولكنها نفحة من نفحات الله، فلم تكن تسمع إلا دعاء مختلطاً بنشيج، وبكاء يخالطه دعاء."

وكانت ساعةً ما وجدت في حياتي مثلها إلا مرات معدودات في التسع والسبعين سنة التي عشتها، كانت القلوب كمدخرات (بطاريات) فارغة.

فشحنها هذا الموقف بالطاقة شحناً كاملاً، لقد أحسسنا المذلة أمام الله، فجعلنا نُحس العزة بالله، لم نعد نرجو في تلك الساعة غيره، ولا نخاف غيره، ولا نتوجه إلا إليه، ولا نطلب إلا منه"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت