فهرس الكتاب

الصفحة 6105 من 19127

وعلى هذا.. فإن الصوم ليس الهدفُ منه مجرد الجوع والظمأ وحبس النفس عن شهواتها كما تعود ذلك الكثيرون من الناس الذين لم يراعوا للصوم آدابه، ولم يتفهموا أهدافه، ولم يتبينوا مقاصده، ولم يدركوا أصوله.. فكان صومُهم أشبه بكلام الببغاء، أشبه بحركة آلية.. لم تصل إلى قرار النفس، ولم تمازج شَغاف القلب، ولم تختلط بالوجدان، ولم تؤثر في السلوك.. فالصوم.. يهدف إلى ما هو أسمى من ذلك وأعظم.. إذ هو مدرسة للتربية على الجلد والصبر؛ يحارب الصائم فيه نزواتِه في معركة ضارية شرسة مع أهوائه ونزعاته.. طامعاً في أن ينتصر بنفسه على نفسه.. يزكيه عقلُه ويحفزه دينُه.. فطعامُه بين يديه وشرابه ليس بعيداً عليه، وزوجته قريبة منه.. ونفسه تسوّل له أن يسد جوعته، وأن يروى غلته، وأن يطفئ ظمأه ويقضي شهوته.. ولكنه أمام كل هذه الشهوات المغريات يصارع أهواءه، ويحارب شيطانه، وكلما استهواه ذلك عاود الصراعَ من جديد بعزم شديد وإرادة من حديد، وبدافع من دينه ووازع من ضميره وسند من يقينه، فتتربى فيه الإرادةُ القوية والعزيمة الراسخة الصادقة.. فلا يتسرب اليأسُ إلى نفسه، ويدب الخور والضعف في إرادته، وإنما يحمل راية الكفاح يدعمه طموحُه، ويواصل الجهاد يسانده ثباته، وتلازمه تقواه..

وإذا ما تمكن الإنسانُ من الانتصار على نفسه هان عليه الانتصارُ على عدوه وخصمه؛ فالنفسُ ميدان الجهاد الحقيقي والأعظم للإنسان، والإنسانُ إذا ما جاهد نفسه وأمسك بزمام هواه وتحكم في ميله ورغباته، وسيطر على مداخل الشر في باطنه، فإنه بذلك يكون قد حقَّق أعظمَ انتصار!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت