فهرس الكتاب

الصفحة 6155 من 19127

لقد وضع الأستاذ الألماني جيهاردت كتابًا في تقوية الإرادة، جعل أساسه الصوم، وذهب فيه إلى أنه هو الوسيلة الفعالة لتحقيق سلطان الروح على الجسد؛ فيعيش الإنسان مالكًا زمامَ نفسه لا أسير ميوله المادية.

إن وظيفة الإرادة تكبح جماح الغريزة، وتخفف غلواء الحيوان الذي يعيش في عروق الإنسان، فيثير شهواته وعواطفه، كما الضابط يقبض المعسكر فيمنع توتره وفضوله.

وممارسة الصوم في شهر رمضان، لإبراز استقلال الإرادة، تمرن الصائم على اعتياد التحرر والانعتاق، من أحابيل الغريزة ومكايدها، وترهف عزيمته وتشحذ مواهبه، وتستخرج ركائزه الدفينة؛ ليودعها مصرف روحانيته ليجدد عنها - عند الشدائد - مدد الثبات والعزم والخشونة والجَلَد، حتى ينقلب الصائم بطلاً تنفجر أعصابه إيمانًا ومضاء؛ فلا يذل ولا يخشع ولا يستكين، وإنما يبقى كالجندي المعبأ، يتحفز أبدًا للدفاع والوثوب.

وهكذا مدرسة الصوم تربي في الصائم إرادة قوية فولاذية لا تفل ولا تكسر، ولَكَمْ خاض بها المسلمون معارك ضارية، فما لانت لهم قناة، ولا زلت لهم نفس، ولا وهنت لهم عزيمة، وإنما خرجوا من هذه المحن كما تخرج قطعة الذهب إذا وضعت في النار لا تزداد إلا تألقًا وصفاء، فكانت الانتصارات، يوم الفرقان يوم السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة يوم بدر، يوم ارتفعت راية الإيمان والنصر خفاقةً تؤذن بكلمة التوحيد وانتصار الإسلام.

ويوم فتح مكة المكرمة يوم الحادي والعشرين من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة صارت مكة دار سلام بعد أن كانت معقل الشرك والمشركين.

يوم أن دخل الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - مكةَ، وهو يتلو قوله تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء:81] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت