لم يكن أستاذنا النفاخ - أعلى الله مقامه - يلتفت إلى شيء من مباهج الدنيا، وكأنه رجل من رجال السلف، يخالُهُ المرء منتسبًا إلى القرون الأولى التي وصفها سيد البرية بالخيرية: (( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ) [2] لهذا ما كنت تراه يترفّع عن كثير مما يتهافت خاصّة الناس عليه بلْهَ عامَّتهم، وقد وصف يومًا صديقًا له اعتذر عن تسنّم مقاليد وزارة في الدولة بقوله: (( إن هذا الرجل يترفّع أن يضع رجله حيث يضع الكثيرون جباهَهم ) )ويقيني أن أحقَّ الناس بهذا الوصف هو شيخنا النفاخ، فقد كان حقًّا من هذا الصنف الذي لا تستهويه الأهواء، ولا تعصف به الرغائب، ولا تثنيه المكاره.
قلت له مرة، وقد رأيت ما يعانيه في تنقلاته بين البيت والجامعة: (( لم لا تتخذ لنفسك سيارة؟ ) )فنظر إليَّ شزرًا ثم قال: (( وهل تريد أن أضع على رأسي قرنين؟! ) ).
وطلب إليه أستاذ كبير أن يدرِّس في جامعة تُجزل العطاء لأساتذتها فرد بأنه لو قيِّض له أن يدرِّس ثَمَّةَ لأبى أن يتقاضى فلسًا واحدًا مقابل تدريسه، فهو أكبر من أي مال مبذول، وعلمه أعظم من أيِّ عَرَض من أعراض الدنيا، من أجل هذا كان يبذله لبعض طلاب العلم الفقراء، ويضنَّ به على كثير من طلاب السمعة والجاه الأغنياء.