فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 19127

ومن هنا كان الأستاذ - عليه رحمة الله - قاسيًا على نفسه أولًا، قاسيًا على من حوله ثانيًا، ولم تكن قسوته على الناس إلا فرعًا من قسوته على نفسه وجزءًا يسيرًا منها، فقد حرم نفسه متاعًا كثيرًا، ونعيمًا موصولًا، ومراتب تتقطع دونها الرقاب، وقنع بأن يقبعَ في كِسْر بيته على حين ينعم الآخرون بما حصّلوه من غزير علمه، وبما نالوه من عظيم فوائده، وهو في هذا أشبه الناس بالخليل بن أحمد حين قال في حقِّهِ تلميذه النضر: (( أكلنا الدنيا بعلم الخليل وهو في خُصٍّ بالبصرة لا يُشعر به ) )ولئن صدقت هذه الكلمة في رجل بعد الخليل لتصدقَنَّ على شيخنا النفاخ فقد أكلنا الدنيا بعلمه وهو قابع في كِسْر بيته، رحمه الله وعوضه خيرًا.

صلابة في الحق:

وقد عرف الأستاذ النفاخ بمواقفه الصُّلبة، وإرادته القوية، لا يداهن صاحبًا، ولا يجامل جليسًا، ولا ينحني لكبير، ولا يخشى في الله لومة لائم، وإذا ما رأى الرأيَ مضى دونه مجاهدًا، لا تلين له قناة، ولا يثنيه هوى، ولا يؤثر فيه ترغيب ولا ترهيب.

كنت عنده مرة فزاره وزير كبير له شأن خطير في دنيا السياسة والرئاسة، فرحب به وأكرم وفادته، وأسمعه من صنوف العلم وأفانين القول ما ملك به فؤاده، وانتزع منه إعجابه، ثم كالَ له من صنوف النقد والتعريض ما لا يقوى عليه أحد في ذلك الزمان، حتى لقد أشفق بعض أهل المجلس على صحة الأستاذ لما اعتراه من حِدّة، وما بدا عليه من أمارات الانفعال، وكأني به الصورة الحية لمقولة الرسول الكريم: (( ألا لا يمنعَنَّ رجلًا هيبةُ الناسِ أن يقول بحقٍّ إذا علمَهُ ) ) [3] . فقد أعلن الحق الذي علمه، ولم يخشَ صولة الحاكم، ولا بأسَ المتحكِّم، وإنما قال: (( لا ) )بملءِ فيه، فكان رجلًا، والرجال قليل، وما أصدق ما قاله الأول فيه وفي أمثاله: (( يعجبني من الرجل إذا سيمَ خسفًا أن يقول لا بملء فيه ) ).

جبل علم هوى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت