وكان الشيخ النفاخ - برَّد الله مضجعه - جبلًا من جبال العلم الراسخة، وبحرًا من بحور الفهم العميقة، بَرَعَ في علوم العربية المختلفة، فأصبح حجةً في كل فن من فنونها، فما شئت من بصر باللغة، وعلم بالنحو، وفهم بالصرف، وتذوق للبلاغة، وإتقان للعروض، ورواية للشعر، ودراية بالأدب والنقد، ومَكِنَةٍ في الأصول، وتضلّع من القراءات القرآنية صحيحها وشاذِّها، ومعرفة بالأحرف السبعة تاريخها وأسرارها، وخبرة بالتراث العربي مخطوطه ومطبوعه، وقدرة على تحليل النصوص والنفاذ إلى خباياها، ودقة في تحقيق المخطوطات واستدرار عطاياها.
ولو شئتُ أن أمضي فيما افْتَنَّ فيه الشيخ لمضيتُ، ولم وسعَتْني هذه الكُلَيمة.. فما كان النفاخ رجلًا كسائر الرجال.. ولكنه أمّةٌ في رجل:
وقالوا الإمامُ قضى نحبَهُ وصيحةُ مَنْ قد نعاهُ عَلَتْ
فقلتُ: فما واحدٌ قد مضى ولكنَّهُ أمّةٌ قد خَلَتْ
وقد عرفته الجامعة ( جامعة دمشق ) محاضرًا في غير ما فن من فنون العربية..
حاضر في الأدب الجاهلي فكان أصمعيَّ عصرِهِ، ودرّس المكتبة العربية والمعجمات فكان جوهريَّ دهره، وقرَّر مادة العروض فكان خليلَ وقتِهِ، وأقرأَ الكتابَ القديم فكان مبرّدَ زمانِهِ، وتصدَّى للنحو والصرف فكان سيبويهِ أوانِهِ، وتناول الدراسات اللغوية فكان ابنَ جني عهدِهِ.
مُلقّنٌ مُلْهَمٌ فيما يحاولُهُ جمٌّ خواطرُهُ جَوَّابُ آفاقِ
وكان من جميل صنع الله بي أن درست عليه هذه الموادّ جميعًا في سني الدراسة الجامعية العادية والعليا، فتقلَّبت في نُعْمى اختصاصاته، وتدرجت في معارج علومه، ورأيت منه كل عجيبة وغريبة، ورويتُ عنه كل شاذّة وفاذّة، فلا تعجب إن تمثّلت فيه بما أنشده أبو العباس اليشكري في محاسن أبي عمر اللغوي المعروف بغلام ثعلب:
فلو أنني أقسمتُ ما كنت حانثًا بأن لم ير الراؤون حَبرًا يُعادِلُهْ
هو الشَّخْتُ [4] جسمًا والسَّمين فضيلةً فأعجِبْ بمهزولٍ سمينٍ فضائلُهْ