وحصرت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني هاشم في الشعب مدة طويلة أصابهم في أثنائها مجاعة شديدة أكلوا فيها مالايمكن أكله، وهم مع ذلك صابرون على ما من أجله امتحنوا، إلى أن جاء نصر الله وأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة للمدينة، وقريش تحاول منعهم من الهجرة، حتى إنها همّت بأمر عظيم ومكيدة خطيرة، ألا وهي: أن يجتمع من كل قبيلة شاب من الشباب فيهجموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، ولا يدرى من قتله، فتعجز بنوا هاشم عن مقاتلة تلك القبائل جميعها؛ كما قال تعالى: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } ، فأطلع الله نبيه على الذي أرادت قريش، فبات علي رضي الله عنه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا علياً رد الله تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ثلاث ليال وقريش جادّة في البحث عنهم، ويمرون بالغار فيصرفهم الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه، حتى إن أبا بكر رضي الله عنه يقول: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لأبصرنا، فيقول له صلى الله عليه وسلم: لا تحزن إن الله معنا، يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟