فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولعل خير من وصف هذه القراءة الأستاذ العلامة والأديب المتذوق محمود محمد شاكر رحمه الله - وهو بلا شك أحد شيوخ الفصاحة فيما أدركناه من زمن - وذلك حيث يقول واصفًا منهجه في القراءة وطريقته في التذوق: (( ويومئذٍ طويت نفسي على عزيمة حذَّاء ماضية، أن أبدأ وحيدًا منفردًا، رحلة طويلة جدًّا، وبعيدة جدًّا، وشاقَّة جدًّا، ومثيرة جدًّا. بدأت بإعادة قراءة الشعر العربي كله، أو ما وقع تحت يديّ منه يومئذٍ على الأصح، قراءة طويلة الأناة عند كل لفظ ومعنى، كأني أقلبهما بعقلي وأرزوهما"أي: أزنهما مختبرًا"بقلبي، وأجسُّهما جسًّا ببصري وببصيرتي وكأني أريد أن أتحسسهما بيدي، وأستنشي"أي: أشم"ما يفوح منهما بأنفي، وأسَّمَّع دبيب الحياة الخفيّ فيهما بأذني، ثم أتذوقهما تذوُّقًا بعقلي وقلبِي وبصيرتي وأناملي وأنفي وسمعي ولساني، كأني أطلب فيهما خبيئًا قد أخفاه الشاعر الماكر بفنِّه وبراعته، وأتدسَّس إلى دفينٍ قد سقط من الشاعر عفوًا أو سهوًا تحت نظم كلماته ومعانيه دون قصد منه أو تعمُّد أو إرادة ) ) [13] .
أوردتُ هذا الكلام العالي ليقف طالب الفصاحة على طريقة أهل الفصاحة في تذوق الكلام الفصيح، إنها محاولة للتأسِّي، ومطاولة للتشبُّه، عسى أن نقرأ فننتفع، ونقلِّد فنفلح:
فتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلَهُم إنَّ التشبُّهَ بالكِرامِ فَلاحُ
بقي أن أشير إلى أنه يحسن أن يُجمع إلى ما ذكرتُ من كتبٍ بعضُ دواوين الشعر القديمة لفحول الشعراء من أمثال المتنبِي وأبي تمام، فإن في الشعر ما لا يوجد في النثر من عذوبة اللفظ، وحلاوة الإيقاع، وجمال الصورة، وتدفُّق العاطفة، وهي أدعى للحفظ وأرجى للرواية والتمرُّس على الفصاحة [14] .