فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إذًا فالنحو يكمل تلك السلسلة التي ابتدأناها بسماع الكلام الفصيح، وأردفناها بقراءة نصوصه وحفظ روائعه. إنه التاج الذي يتوِّج به الطالب ما اكتسب من ملكات اللغة:
اقتَبِسِ النحوَ فنِعمَ المقتَبَسْ والنحوُ زَينٌ وجَمالٌ مُلتَمَسْ
ويأتي علم البلاغة بعد هذا كله ليعلم الطالب سبل استعمال هذه الملكة التي امتلكها، كيف يتكلم؟ وكيف يصيب المعنى والقصد؟ ومتى يؤكد كلامه؟ ومتى يرسله؟ ومتى يحسن الإيجاز؟ ومتى يحسن الإسهاب؟ وأين يضع كلماته ليوافق مقتضى الحال؟... وغير ذلك من بحوث يثيرها علم البلاغة فتكتمل للمرء أدوات الفصاحة والبيان، لأن المهارة ليست بكثرة الكلام ولا طول البيان، وإنما هي بوضع الأمور في نصابها، وإعطاء المعاني مستحقاتها، فإن لكل مقام مقالاً، ولكل تعبير أصولاً.
قال خالد بن صفوان لرجل كثر كلامه: إن البلاغة ليست بكثرة الكلام، ولا بخفَّة اللسان، ولا كثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى والقصد إلى الحجة [23] ، وقيل لرجل: ما البلاغة؟ فقال: حسن الإشارة، وإيضاح الدلالة، والبصر بالحجة، وانتهاز مواضع الفرصة [24] ، وقال المفضل الضبي: قلت لأعرابي: ما البلاغة عندكم؟ فقال: الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل [25] .
وقال ابن رشيق في العمدة: (( البلاغة حسن العبارة مع صحة الدلالة ) ) [26] .
فقد يكون السكوت في بعض المواضع أبلغ من الكلام، وقد تكون اللمحة الدالة أبلغ من الإطالة المملة، وربَّ إشارة أبلغ من عبارة، ورحم الله من قال:
واعلم بأن من السكوت إبانةً ومن التكلم ما يكون خبالاً [27]