فهرس الكتاب

الصفحة 6357 من 19127

وما كان وضع النحو أصلاً إلاّ لهذه الغاية، فقد كان فشوُّ اللحن الباعثَ الأول على وضع قواعد النحو واستنباط أحكامه، وقد عدَّ الأوائل تعلم النحو من المروءة، إذ روى ثعلب عن محمد بن سلام قوله: (( ما أحدث الناس مُروءة أفضل من طلب النحو ) ) [17] . وقال شعبة: (( مثل الذي يتعلم الحديث ولا يتعلم النحو، مثل البُرنس لا رأس له ) ) [18] . وكان أيوب السَّختياني يقول: (( تعلموا النحو، فإنه جمالٌ للوضيع، وتركُه هُجنة للشريف ) ) [19] ، ولا جرم فاللحن عندهم ممقوت منبوذ، وصاحبه مكروه لا حرمة له: (( ليس للاحن حرمة ) ). وفي ذلك يقول علي بن محمد العلوي:

رأيتُ لسانَ المرءِ رائدَ عَقلِهِ وعُنوانَه فانظُر بماذا تُعَنْوِنُ

ولا تَعدُ إصلاحَ اللِّسانِ فإنَّهُ يُخبِّرُ عمَّا عندَهُ ويُبَيِّنُ

ويُعجِبُني زِيُّ الفَتى وجَمالُه فيَسقُطُ من عَينيَّ ساعةَ يَلحَنُ [20]

ومن أطرف ما يروى في استنكار اللحن واستهجانه أن أعرابيًا دخل السوق فسمع أهله يلحنون في كلامهم فقال: سبحانك اللهم يلحنون وترزقهم [21] ؟!...

ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أن تعلم النحو وحده لا يكسب فصاحة ولا يثري لغةً، وإنما هو يقوِّم اللغة التي يكتسبها المرء مما تلقَّنه وسمعه من كلامها، وما قرأه ووعاه من نصوصها، وما زاوله وتمرّس عليه من فصيحها وبليغها، ثم يأتي النحو بعد ذلك ليحيطَ هذا كله بسورٍ منيع يحفظه، وبناء محكم يجمعه.

وهذا ما بيَّنه عالمنا الفذّ ابن خلدون حين أكَّد أن السمع أحد الأسس لتعلم اللغات، إذ عن طريقه ينغرس الحسّ اللغوي السليم ليصبح ملكةً طبيعية في الإنسان: (( وهذه الملكة إنما تحصلُ بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطُّن لخواصّ تراكيبه، وليست تحصُل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك التي استنبطها أهل صناعة اللسان فإن هذه القوانين إنما تفيد علمًا بذلك اللسان ولا يفيد حصول الملكة بالفعل في محلها ) ) [22] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت