فهرس الكتاب

الصفحة 6360 من 19127

إن تلقين الترتيل للناشئ في رحاب العربية أمر مهم للغاية، وهو يبدأ من كتاب الله عز وجل لينتهي بإتقان اللفظ العربي أيًا كان موضعه، إذ يضمن للناطق التلفظ بكلمات اللغة على النحو الأمثل الذي تتلقفه الآذان بشغف وتسمعه بعذوبة ويكون له أكبر الأثر في النفوس، خلافًا لمن يخرج الحروف من غير مخارجها، ويعطيها غير صفاتها مما يجعل نطقه ممجوجًا، يضيق به سامعه، وينتظر لحظة سكوته وفراغه، وما أكثر ما ابتلي الناس اليوم بمثل هؤلاء الناطقين الذي ذهبوا برُواء اللغة، ففقدت على ألسنتهم أجمل خصائصها وأروع صفاتها، واختلط حابل الحروف بنابلها، فرقَّقوا ما حقُّه التفخيم، وقلقلوا ما حقّه الاستطالة، وهمسوا ما حقّه الجهر، وضاعت على ألسنتهم مخارج الحروف وصفاتها، وصرنا إلى ما قاله العباس بن الأحنف:

مَن ذا يُعيرُكَ عينَه تَبكي بِها أرأيتَ عَينًا للبُكاءِ تُعارُ [29]

وإذا كان ابن الجزري يقول في منظومته المشهورة:

والأَخذُ بالتَّجويدِ حَتمٌ لازمُ مَن لم يُجَوِّدِ القُرانَ آثِمُ [30]

فإني أزيد فأقول إن من لم يجود القرآن فلن تكتمل له أدوات الفصاحة مهما أوتي من علم بالعربية، وبصر بالأدب، وحفظ للشعر، ودراية بالنحو والصرف، لأن نطقه سيبقى في مَنْزلة لا ترقى إلى ما ينبغي للناطق بالعربية، وذلك لكثرة ما اختلط في المجتمع من اللغات واللهجات، وما كثر من الفساد اللغوي والنطقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت