وبعد عامين آخرين: ركب خالد بن الوليد في نفر يسير - بالنسبة لقوات العدو - إلى من ارتد من العرب؛ من غطفان، وبني حنيفة. ثم اتجه إلى أهل العراق والشام؛ فأتى على قوى الكفر كلها؛ من عرب، وفرس، وروم في تلك البلاد، وما تردد في معركة، وما انهزم.
ما الذي حدث؟
خالد هو خالد، بل في الإسلام كبرت سنه ورقَّ - بعض الشيء - عظمه، فكيف يَهزم كل هذه الجيوش المتماسكة المجتمعة؟ وكيف يقتل كل هذا العدد من البشر؟ [4]
حدث هناك نوع من التغير في المفاهيم، والتصورات الداخلية، التي تُحرِّك خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ومن معه؛ نوع جديد من المفاهيم عن طبيعة المعركة، وأسباب النصر والهزيمة؛ جعلت خالداً يُحْدث كل هذا الأثر في واقع الناس. وتدبر هذين الموقفين:
الإسلام يُغيِّر مفاهيم خالد:
يوم اليرموك: جاء أحدهم يخوفه من الروم - وقد أقبلت كالسحابة السوداء، تسد الأفق، تموج بهم الأرض، كما يموج البحر، صوتهم كالرعد - كما يصفهم ابن كثير - رحمه الله - على لسان من حضر المعركة - والمسلمون قلة: جاء يقول لخالد: ما أكثرَ الرومَ وأقل المسلمين! فقال خالد: ويلك! أتخوفني بالروم؟ إنما تكثر الجنود بالنصر (أي من الله) ، [5] وتقل بالخذلان، لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر - يعني فرسه - براء من توجيه، وأنهم أُضعِفوا في العدد .
وحين همَّ بعبور بادية الشام من العراق إلى اليرموك؛ تخوف من معه؛ واستداروا كأنهم يريدون مراجعته في أمر العبور إلى الشام؛ فقام فيهم خطيباً بهذه الكلمات:"اعلموا أن المعونة على قدر النية، والأجر على قدر الاحتساب؛ فأروا الله من أنفسكم خيراً؛ يمدكم بمدده".
خالد بالأمس القريب، حين أُمِرَ بالتوجه لأُكيدر؛ يحسب للعدد حساباً وينادي:"كيف ... وإنما أنا في نفر يسير؟"وهو اليوم يلغي عامل العدد من أسباب النصر والهزيمة.