فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إن في الدنيا أشياء مفرحة تغري بالإنسان، ويبشُّ لها؛ ولكنها قليلة زائلة, يخالطها الكدر والشوائب, وهي لا شيء إذا ما قيست بما في الآخرة من نعيم مقيم يُفرح, وقد أومأت الآية إلى هذا المعنى, وتقدم قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لولا أن كتب الله الخلود على أهل الجنة، لماتوا فرحاً ) ).
إن فرح الكافر قاصر مذموم, حين حصره في الدنيا على حساب الآخرة, وما نعيم الدنيا إلا مجرد ذوق, كما أشارت الآيتان السابقتان {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ} [23, جـ22, ص15] ، وأصل الذوق: أخذ شيء يسير للمعاينة فقط, ولا شك أن نعيم الدنيا كله لا يعدو أن يكون ذوقاً بالنسبة لنعيم الآخرة.
إن فرح الكافر بهذا الذوق، وقناعته به مؤشرٌ على دنوِّ همَّته, وضيق أفقه, فقد رضي أن يكون حظُّه من النعيم هذا الذوقَ وحسب, بخلاف المؤمن؛ لما ذاق فأُعْجِب, تعلقت همَّته بالآخرة محل النعيم المقيم؛ فصار الذوق للمؤمن وسيلة؛ لأنه يسعى إلى سعادة عظمى, والكافر لا يرجو بعد الدنيا سعادةً ولا فرحاً؛ فصار ما في الدنيا غاية عنده.
في قصة سليمان - عليه السلام - مع ملكة سبأ, صورتان متقابلتان لفرح المؤمن وفرح الكافر: لقد فرح أهل سبأ بهديتهم التي حُملت إلى سليمان, وهي شيء تافه إذا ما قيست حتى بنعيم الدنيا, وقد ظنوا أن نبي الله سليمان سيفرح بالهدية كما فرحوا: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل:35-36] .
أجابهم سليمان بكل استعلاء: أنتم وحدكم الذين تفرحون بمثل هذه التوافه, أما نحن، فإنَّا نفرح بما آتانا الله من إيمان؛ فهو مصدر الفرح الحق.