فهرس الكتاب

الصفحة 6965 من 19127

إن هذا المسلك الذي ارتضاه الكافرون أغرى بهم, فجعلهم يُعْرِضون عن دعوة الرسل فرحاً بما عندهم وقناعةً به, وزهداً بما وراءه، {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون } [غافر: 83] .

إنها مجموعة من التصورات والأوهام، ظنها الكافرون علماً يرسم لهم منهج حياة؛ ففرحوا بها، إعجاباً وإيماناً؛ فأدَّى هذا إلى الاستهزاء بما عداها، حتى لو جاءت به الرسل.

هذا هو الفرح المذموم بعينه, حين يؤدي إلى الكفر بالحق، والإعراض عنه، والازدراء بمَنْ جاء به؛ فيحرم هذا الفرح الكافرينَ من خير الدنيا بهذا الإعراض, ومن نعيم الآخرة.

إن هذه الأوهام، التي يفرح بها الكافرون متنوعةٌ ومتعددة, فقد تكون عقائدَ جاهلية متوارثة، ظنها أهلها شيئاً, وربما تكون بقايا دين محرَّف, وقد تكون مبادئ بشرية, ونُظُماً وضعية, لكنها - ورغم الاختلاف بينها - يجمعها أنها مبعث فرح في نفوس أصحابها, وفيهم يقول الله تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:53] .

ويلحظ في الآية المتقدمة قوله تعالى: {فَرِحُوا بما عِنْدَهُمْ} ، وفي الآية الثانية {بِمَا لَدَيهم فرحون} ، فهذا الذي يفرحون به من بدعهم هم, أو مما توارثوه واعتادوا عليه, وهو لا يغني من الحق شيئا، أما المؤمنون فإنهم يفرحون بما جاءهم من عند الله؛ فهو الرحمة والشفاء.

ناسب أن يأتي بعدُ قولُه تعالى: {فَذَرْهُمْ في غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون:54] [13, جـ18, ص ص 73- 74] , وذلك تمثيل لحال اشتغالهم بما هم فيه من الازدهار وترف العيش, عن التدبر فيما يدعوهم إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لينجيهم من العقاب بحال قوم غمرهم الماء, فأوشكوا على الغرق, وهو يحسبون أنهم يسبحون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت