فهرس الكتاب

الصفحة 6976 من 19127

إن شرع الله أحكم، وهديَه - سبحانه - أكمل، حين أباح الفرح بما يُفرح باعتدال، ورغَّب في الشكر عليه, وأباح الحزن على ما يُحزن باعتدال أيضاً, ورغَّب في الصبر, وهو ما ينسجم مع طبيعة النفس السوية .

إن توبيخَ الله تعالى للكافرين بقوله: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ} [غافر:75] - دليلٌ على أن الفرح بالحق - وهو المحمود والمباح - جائز.

وفي حديث التوبة المشهور دلالة واضحة على إباحة الفرح في أمور الدنيا؛ لأن فرح الله تعالى شُبِّه به - مع نفي المماثلة والمشابهة - ولا يشبه فرح الله إلا بمباح، (( لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة"."

وفي رواية ذكرها صاحب"دليل الفالحين"نقلاً عن ابن عساكر في أماليه، عن أبي هريرة مرفوعاً: (( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد, ومن الظمآن الوارد" [6, جـ1, ص86] , وهذه كلها صور لفرح في أمور الدنيا."

يبد أن الفرح المباح ينبغي أن يحترز منه, لا خوفاً من أن يتجاوز الحد، فيصبحَ مذموماً, فهذه مسألة سبق الحديث عنها, وتحديد معالمها, ولكنّ ثمةَ مسألةً أخرى: وهي أن الفرح المباح قد يشتد، فيوقع صاحبه في أخطاء غير مقصودة، في أثناء تعبيره عن هذا الفرح.

في حديث التوبة المتقدم ما يؤكد هذا الأمر, فقد قال - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل الذي فقد بعيره ثم وجده: (( ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح ) ), والأمر ما قال علماء النفس في هذا المجال: بأن الانفعالات الهائجة لا تكاد تنجو النفس من آثارها الضارة بالوظائف الفعلية؛ فالانفعال العنيف يُشوّه الإدراك، ويعطل التفكير المنظم, والقدرة على حل المشكلات, ويضعف القدرة على التذكر والتعليم، ويشل سيطرة الإدراك [50, ص167] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت