فهرس الكتاب

الصفحة 6996 من 19127

أيها المسلمون: إذا انتشر الغلول بين الناس، ولم يجد أحدهم حرجا من امتداد يده إلى ما ليس له؛ لضعف ديانته، وفساد خلقه، وجشع نفسه، مع غياب المراقبة والمحاسبة والعقاب؛ فإن أخلاقا رديئة تنتشر في الناس، يأخذ بعضها برقاب بعض، وكل خلق سيء منها يدعو إلى خلق آخر أسوأ منه في سلسلة لا تنتهي من فساد الضمائر والأخلاق، والأنانية والجشع، مما يكون سببا في الظلم والبغي، وينتج عنه الضغائن والأحقاد التي تودي بالناس إلى النزاع والشقاق، ولا سيما عند اتساع الدنيا، وكثرة الموارد؛ ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعفة اليد، وخطب في الناس عقب غنمهم لغنائم حنين محذرا إياهم من الافتتان بما يرون من أموال قد تكون سببا في الغلول فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ومن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه) رواه أبو داود وفي رواية للبيهقي: (ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم) [15] .

وتأملو -أيها الإخوة - قوله عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه) وقارنوه مع حال كثير من المتنفذين في الدوائر الحكومية والشركات والمؤسسات؛ إذ يستحلون ما لا يحل لهم من السيارات وغيرها ويقسمونها في أولادهم وإخوانهم، وكأنها ملك آبائهم، ويعملون بها ما لا يعملون بسياراتهم وأمتعتهم، حتى إذا ما خلقت أو تلفت أعادوها مرة أخرى، وأخذوا بدلا عنها بلا وازع يزعهم، ولا عقاب يردعهم.

ولقد كان المسك يوزن بين يدي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فيأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة فقال له رجل من أصحابه: يا أمير المؤمنين، ما ضرك إن وجدت ريحه؟ فقال رحمه الله تعالى:وهل ينتفع من هذا إلا بريحه؟! [16] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت