إن النظر إلى أحد جناحي الأدب وهو الشكل، وترك الجناح الآخر وهو المضمون كسرٌ للعمل الأدبي، ومنعٌ له من السمو، فهلا يدب الوعي في أذهان نقاد العصر الحديث، ويقلعون عن تلك النظرة الاستبدادية الواحدة، ذلك ما يُرجى، وهو ما يُؤمَّل حتى لا ينحدر الأدب أكثر من ذلك، ويأتي اليوم الذي يفقد فيه الأدب وظيفته بالكلية ومكانته في النفوس وصلته بالحياة والكون والثقافة [41] .
كما أن نظرية الفن للفن تبتر الصلة بين الأديب - بوصفه مُنشئاً للأدب - والأدب بوصفه نتاجاً فكرياً جمالياً وبين المجتمع وهمومه وآماله ومشكلاته، وبين الحياة مستقبلاً وحاضراً وماضياً...
إن الأدب والأديب لم يَحُلا تلك المنزلة عند الأمم جميعها نتيجة الانغلاق والتقوقع على الذات، أو الطلسمة والغموض والعبثية، وهذا واقع الأدباء في مختلف الثقافات يشهد على وظيفة الأديب تجاه مجتمعه، وشواهد ذلك كثيرة في أدب العرب من رثاء المدن ووصف الفقر والحرب وآثارها مما لا يتسع المقام لذكره.
وهذا شكسبير مثلاً عالج مشكلات مجتمعه وغيره من أدباء الغرب بداية من اليونان وفلسفتهم وانتهاءً بالأدب الملتزم في الغرب إلى اليوم.
وجعل الأدب غاية ومرمى ومقصداً في حد ذاته يُشيع الإلحاد واللادينية في الأدب، وهذا يؤدي بالمجتمع - المطلع على ذاك الأدب - إلى الانحلال والانحراف، وتهدم القيم وبروج الفضيلة، وينشأ جيل مسخ لا يعني له الدين شيئاً، ولا يردعه عن غيه أحد، حتى يصبح مجتمعٌ ما؛ غابة ينتصر فيها من يملك مقومات الانتصار وآلياته من القوة ونحوها، حيث تهان القناعة، ويضيع عن البال الطموح والشرف والغاية من الحياة وسبيل السعادة ونبل الأهداف وقيمة النجاح.