يقول محمد الفيتوري أحد رواد الحداثة العربية [39] :"الشعر لابد أن يكون له قضية، الشعر لا ينبع من الفراغ والشعر لا ينبع من الأرض فقط، بل ينبع من الإنسان والتصاقه بالأرض والتراب، والشعر في هذا التصور ينبع من البحث في الشكل الشعري. وهناك نظرية تقول: إنه لا علاقة للشعر بالواقع ولا علاقة للشعر بالإنسان ولا علاقة للشعر بالأحداث التاريخية، هذه نظرية معروفة في التاريخ وأنا لا أؤمن بها، لكن أؤمن أنه لا يمكن أن يكون هناك شعر دون أن يكون هناك إنسان وراء هذا الشعر، ودون أن تكون هناك قضية وآثار تسهم في تدفق الإبداع وتوهجه".
نعم، الشعر تجربة وموقف وعاطفة وانفعال ورأي، كل ذلك يأتي مسبوكاً في لغة غير اعتيادية تقوم على التصوير والإيحاء والرمز، وفق وزن وقانون يحكم الشعر الرصين ويحد حدوده، وكذا سائر فنون الأدب.
وتلك الدعوة إذ تدعو إلى خلو الأدب من هذه المواقف والآراء، أو لا تعدها مهمة تجني على الأدب وتذبحه من الوريد إلى الوريد، وتُحيل الأدب إلى ما يشبه الإيقاعات الصوتية والموسيقا البشرية التي لا يتصور لعاقل أن يأبه بها فضلاً عن أن ينشده وتملك قلبه وتأسر لبه.
إن تلك الدعوة أحالت الأدب والأدباء إلى شخوص وألفاظ لا يُعبأ لها ولا يُنظر إليها، إن الأديب اليوم فَقَدَ مركزه وضيَّع سلطانه حين انجرَّ وراء تلك الدعوات الممسوخة والمذاهب الفارغة، حتى قال أحد الحداثيين مندداً بذلك الانحدار عن المكانة والأهمية [40] :
"الشاعر لم يعد ابن عصره. بل أمسى اليوم كأي معنى تافه وسخيف، يرقص أو يغنّي على إيقاعات سيقان راقصات، ويتطلع إلى أضواء ليست له على الإطلاق، الشعر العربي المعاصر ليس جوهر الشعر... نحن شعراء ساقطون كلنا".
وتجدر الإشارة إلى أن من عيوب هذه الدعوة، بل من أبرز عيوبها: النظرة الأحادية للأدب، والتركيز على جانب دون آخر، وهو عيب عمَّ وطمَّ وغزا النقد الأدبي الحديث في العالم كله، وغَرْبِه على وجه الخصوص.