فهرس الكتاب

الصفحة 7201 من 19127

والآية التي تبيِّن أنَّ طبيعة الحياة الدُُّنيا، وفلسفتها العمليَّة تقوم على (التَّفاضل) بين الناس في الرِّزق، وأنَّ حكمة الله -سبحانه- هي التي قادت إلى هذا انسجامًا مع طاقات الناس، وقدراتهم، واهتماماتهم، وحرصهم، ومدى تحمُّلهم للمسؤوليَّة، ومقدار يقظة ضميرهم، وتمشِّيًا مع متطلَّبات التَّطوير، والتَّنوُّع، والتَّغاير في مسيرة الحضارات البشريَّة في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، ورفضًا للمنطق المثاليِّ الذي يتخيَّل الناس، وقد تساووا في أرزاقهم (مطلق) التَّساوي، ذلك المنطق اللاواقعي الذي قدَّمت لنا التَّجرِبة المادِّيَّة ارتطامه الصَّريح في مَيدان التَّنفيذ، وفي مدى العَلاقات الفعليَّة في المجتمع.

إلَّا أنَّ آيةً كهذه وهي لبنةٌ من لبنات كتاب الله المعجز، لا تقف عند حدِّ تسليط الضَّوء، على هذا الجانب الواقعيِّ من الصُّورة الاجتماعيَّة؛ فهي في شقِّها القريب الثَّاقب، سرعان ما تبيِّن أنَّ المال؛ الذي هو في أساسه مِلْكٌ للناس جميعًا يلغي أيَّ تصوُّرٍ قد يدور في أذهان الذين يملكون كثيرًا، من أنَّهم وحدهم أصحاب الحقِّ في هذا المال؛ لأنَّ الطرفين فيه سواءٌ، هكذا بهذه الصَّراحة القرآنيَّة المعهودة، وأنَّ أيَّ غبنٍ قد يعتري هذه الحقيقة؛ إنَّما هو جحودٌ بنعمة الله: {وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} [55] .

ويعود القرآن الكريم ليطرح مرةً أخرى- وهو يتكلَّم عن تهيئة الأرض؛ لاستقبال الحياة البشريَّة في فجر التَّاريخ الجُيولوجيِّ البعيد- مسألة التَّساوي بين الناس في (القُوت) الذي منحه الله لهم جميعًا {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ} [56] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت