فهرس الكتاب

الصفحة 7676 من 19127

ثُمّ إن المرأة مُحْتَاجَة بعد ذلك إلى أن تُوَفَّر لها الفرصةُ الكاملة؛ لمُلازَمَةِ طِفْلِها مُلازَمَةً تسمح بأن يُصْنَع على عينها جسمًا وعقلاً وخُلُقًا؛ لكي تَغرس فيه العادات الفاضلة، وتُجَنِّبَهُ ما قد يَعْرِضُ له أو يطرأ عليه من عادات قبيحة، ومثلُ هذا لا يَتَأَتَّى بالأمر أوِ النهي مرَّة أو مرَّات؛ ولكن لا بد فيه منَ المُراقبة الدائمة والإشراف القريب على تَكرار الفعل حتَّى يَرْسَخَ في نفسه، واليقظة على الزجر مرة بعد مرَّات عن بعض الأفعال الأخرى، حتَّى يُحالَ بَيْنَها وبَيْنَ الرُّسُوخ في نفسه، وذلك كله لا يُغْنِي فيه الخَدَم، ولا دُورُ الحضانة غَناءَ الأم؛ لأن الإخلاص فيه والحِرْصَ على ابتغاء الكمال مِنْ كل وجه لا يتوَافَر في أحدٍ توافُرَهُ في الأُمّ.

والقَوْل بأنَّ كُلَّ صلة الأم بولدها تَنْحَصِر في الحمل والوَضْع، هو نُزولٌ بِالإنسان إلى مَرْتَبَةِ الحيوان؛ فالإنسانُ يَمتازُ بِطُول حضانَتِه لأَولاده، وهي حضانة لا تنحصر في توفير الغذاء والحماية؛ كما هو في سائِرِ الحيوان؛ ولكنَّها حضانة خُلُقيَّة وعقليَّة أيْضًا في الإنسان، وذَلِكَ مِنْ أَهَمِّ الأسبابِ في تَقَدُّم البَشَرِيَّة؛ لأنه يُورِّثُ الجيل التاليَ تجارِبَ الأجيال السابقة, بِما يمكنه من مُتابعة الشَّوْطِ، وتوفير الوَقْتِ والجهْدِ الَّذِي يَضيع في تَكرار التجرِبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت