إن الأفكار ليست ثوباً نلبسُه صباحاً ونخلعه مساء، بل لا بد من التأني والتفكر قبل تبني جديد الأفكار، فالأمر يتعلقُ بمسيرنا في حياة حاضرة، ويترتب عليه مصيرُنا في حياة آجلة، ولذا كان لا بد من الدقة والاجتهاد في مراجعتها وفق ضوابطَ مستقاةٍ من الشرع، أما أن لا يكون للمراجعة الفكرية خطامٌ ولا زمام، فهذا عينُ الفتنة التي عناها ابنُ مسعود -رضي الله عنه- بقوله:"من كان مُسْتَنًّا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن فتنته" [1] .
ويلاحَظُ أنَّ بعضَ المفكرين كلما التقى أحداً فأعجب بمنطقه وفصاحة لسانه، أو كلما قرأ كتاباً يناقش قضايا لم تخطر على باله سكب في وعائه منها، دون الرجوع لمنهجٍ طالما زعم الانتماءَ إليه، ليتأكد له صوابُ تلك الأفكار من خطئها، مع أن الأمر لن يكلفَه إلا مزيدَ قراءة في ذلك المنهج المتكامل الشامل.
والتقلبُ الفكري غيرُ المنضبط، الذي رآه بعضُ أهل هذا الزمان -لانطماس بصيرتهم- دليلاً على سعة الأفق وقابلية التفاعل، عدَّه السلفُ الصالح رقةً في الدين، وقلةً في العقل؛ فعن معن بن عيسى قال: انصرف مالكُ بن أنس -رضي الله عنه- يومًا من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجلٌ يقال له: أبو الحورية كان يُتهم بالإرجاء فقال: يا عبد الله اسمع مني شيئًا أكلمك به وأحاجك وأخبرك برأي، قال: فإن غلبتني؟ قال: إن غلبتك اتبعتني، قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟ قال: نتبعه، فقال مالك -رحمه الله تعالى-: يا عبد الله، بعث الله -عز وجل- محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بدين واحد، وأراك تنتقلُ من دين إلى دين. قال عمرُ بن عبد العزيز: من جعلَ دينَه غرضًا للخصومات أكثرَ التنقلَ [2] .
فلم يكن التقلبُ الفكري المتجاوز لضوابط المراجعة الفكرية منقبةً يوماً، حتى نَجَمَ قرنُ المفتونين المغترين بما معهم من بضاعة برغم أنها مزجاة إذا ما ووزنت بما عند السلف الصالح من رسوخ علمي وفهم دقيق منسجم مع روح الشريعة ونصوصها.