242 -وهكذا يوضِّحُ الله الأحكامَ الشرعيَّةَ الفاصلة، لعلكم بذلك تفهمونها وتتدبَّرونها وتعرفونَ الحكمةَ منها، وما فيها من تيسيرٍ ومصلحة.
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [البقرة:243] .
243 -وهؤلاءِ قومٌ في قديمِ الزمان، كانوا بالآلاف، خرجوا من ديارِهم هروباً من الموتِ الذي كان يلاحقهم فيه، ربما نتيجةَ أوبئةٍ وأمراضٍ كانتْ تلازمهم، أو أنه وقعَ فيهم الطاعون، فأرادوا الفرارَ منها إلى غيرِها، فلمّا وصلوا إلى المكانِ الجديد، أماتهم الله جميعاً في وقتٍ واحد، ليُعلَمَ أن الحذرَ من الموتِ لا يُغني ولا يُجدي إذا أرادَهُ الله، فإذا قدَّرَ شيئاً كانَ رغمَ كلِّ الاحتياطات، فلا مفرَّ من حكمه. ثم أحياهمُ اللهُ بعد موتهم، في دليلٍ قاطعٍ على قدرةِ اللهِ على إحياءِ الموتى وبعثِ الناسِ يومَ المعاد.
وهذا من فضلِ الله على الناس، أن يريَهم الآياتِ والدلالاتِ والعِبَرَ ليؤمنوا ويعتبروا، ولكنَّ أكثرَهم، مع هذا، لا يقومونَ بشكرِ المُنعِم عليهم.
وهذا تمهيدٌ لتشجيعِ المسلمينَ على القتال، الذي يأتي في الآيةِ التالية، فإن الأجلَ واحد، في سلمٍ كان المرءُ أو في حرب.
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌْ} [البقرة:244] .
244 -وجاهِدوا في سبيلِ اللهِ باذلينَ أرواحَكم وأموالَكم لإعلاءِ كلمته، ولا تخافوا من الموت، فإنه لا يقرِّبُ أجلاً ولا يباعده، والفرارُ لا يُنجي من الموتِ كذلك، فالأجلُ محتوم، والرزقُ مقسوم، والمقدَّرُ لا مردَّ له. واللهُ يسمعُ ما تقولونَ فيما تدبِّرون، إنْ جهاداً أو تخلُّفاً، عليمٌ بما نويتُم عليه في نفوسِكم من ذلك. فسارعوا إلى الامتثال، واحذروا خلافه.