فلمَّا استقلَّ طالوتُ بالجنودِ المؤمنينَ الباقينَ معه، وقد صاروا إلى قلَّة، وقابلوا جيشَ جالوتَ الكبير، قالوا: لا قدرةَ لنا على محاربتهم؛ لكثرتهم، فقال لهم علماؤهم والخُلَّصُ منهم، المؤمنونَ بلقاءِ اللهِ وحسنِ ثوابه: إنَّ جماعةً قليلةً، مؤمنةً في عقيدتِها وعزمِها وتوكُّلِها، تستمدُّ قوَّتَها من اللهِ ووعدهِ بالنصرِ والجزاءِ، ستغلبُ فئةً كبيرةً عدوَّةً لا تعتمدُ سوى على قوَّتِها الظاهرة، بإذنِ الله وتيسيره، فلا تُغني كثرتهم مع خذلانِ اللهِ لهم، ولا تضرُّ قلَّةُ الفئةِ المؤمنةِ مع تأييدهِ ونصرهِ لهم، وإن اللهَ سيثبِّتُ الفئةَ الصابرةَ وينصرها، ويُمدُّها بالمعونةِ والتوفيق، فتقدَّموا ولا تتوانوا.
والمؤمنونَ مختلفونَ في قوَّةِ اليقينِ وقوَّةِ الإرادة.
{وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} [البقرة:250] .
250 -ولمَّا تقابلوا مع جالوتَ وجنودهِ في كثرتِهم الكاثرة، تصبَّروا وفوَّضوا أمرَهم إلى الله، ودعوهُ بالنصر، وقالوا: اللهمَّ قوِّ عزائمنا، واملأ قلوبَنا بالسكينة والرِّضا، وثبِّتنا عند اللقاء، وانصرنا على هؤلاءِ الظلمةِ الكافرين.
{فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ} [البقرة:251] .
251 -فانتصرَ المسلمون، انتصرتِ الفئةُ القليلةُ المؤمنةُ بإذنِ اللهِ وتوفيقه، وقتلَ داودُ قائدَ الكفرةِ جالوتَ، وكان داودُ في جيشِ طالوت، فآتاهُ اللهُ المُلك من بعده، وزادَهُ نعمةً وتفضُّلاً بأنْ آتاهُ النبوَّة، وخصَّهُ بعلمٍ كثيرٍ من عنده.