ويرى صاحبُ"الظلال"أن هذه الصورةُ واقعةٌ بذاتِها في حياةِ البشريةِ الضَّالةِ في هذا العصر، التي صارتْ تتخبَّطُ كالممسوسِ في عقابيل النظامِ الربوي، وأن هذا العالمَ هو عالمُ القلقِ والاضطرابِ والخوفِ والأمراضِ العصبيَّةِ والنفسيَّة، باعترافِ عقلاءِ أهلهِ ومفكريهِ وعلمائهِ ودارسيه، وعالمُ الحروبِ والتهديدِ الدائمِ بالحروبِ المبيدةِ، وحربِ الأعصابِ والاضطراباتِ التي لا تنقطعُ هنا وهناك، وأنها حياةُ شقاءٍ وبؤسٍ ونكد! ومن هذا البلاءِ الذي تعيشُ فيه البشريَّةُ بلاءُ الرِّبا، بلاءُ الاقتصادِ الذي ينمو نمواً مائلاً جانحاً إلى حفنةٍ من المموِّلين المُرابين، الذين لا يهدفونَ إلى سدِّ مصالحِ البشريةِ وحاجاتهم، بل إلى ما يحقِّقُ لهم الأرباح، ولو أفسدوا حياةَ الملايين، وزرعوا الشكَّ والقلقَ والخوفَ في حياةِ البشريةِ جميعاً...اهـ.
وإن سببَ ما ينزلُ بهؤلاءِ المرابينَ عندما يُبعثونَ من قبورهم، هو قولُهم إن البيعَ مثلُ الربا، وقالوا: لماذا أُحلَّ هذا وحرِّم ذاك؟ فهو اعتراضٌ على أحكامِ الله وشرعه. وشبهتُهم الواهيةُ في هذا أن كليهما يجرّانِ ربحاً! مع أن العملياتِ الربويةَ محدَّدٌ ربحُها وفائدتُها في كلِّ حالة، والبيعُ والتجارةُ يُخضَعُ فيه للربحِ والخسارة، في مهاراتٍ شخصيةٍ وظروفٍ جارية. فالربا يفسدُ الحياةَ البشرية، والبيعُ والتجارةُ تنشِّطُ الحياةَ الاقتصادية. ولهذا وغيرهِ من الاعتباراتِ التي يعرفُها الاقتصاديونَ والتجّار، أحلَّ اللهُ البيع، وحرَّمَ الرِّبا تحريماً قاطعاً.
فمن بلغَهُ نهيٌ وزجرٌ عن تعاطي الرِّبا حالَ وصولِ حكمِ الشرعِ إليه، فله ما سبقَ من مالهِ الذي وصلَهُ عن طريقِ الربا، يعني قبلَ التحريم، فلا يُسترَدُّ منه، وأمرهُ إلى الله، يعني يرجو به عفوَهُ ورحمته، فهو من العفوِ عمّا سلفَ إن شاءَ الله.