والدعوى التي يطرحها كونت في هذا المؤلف للبحث هي أننا ينبغي أن ننصرف عن محاولتنا استكشاف علل للعامل الطبيعي فيما وراء هذا العالم، سواء حاولنا ذلك بناءً على أساس لاهوتي أم على أساس طبائع أو ماهيات ميتافيزيقية، وذلك في سبيل المنهج العلمي الذي يربط وقائع الملاحظة بعضها ببعض.
وهو يرى أن العلوم الوضعية قد تطور على نحو مطرد، بحيث كانت العلوم الأولى في سلسلة التطور أساساً يقوم عليها ما تلاه من علوم.
ومن هنا كان ترتيب العلوم الذي يضعه على نحو تصاعدي من حيث درجة التعقيد كما يلي:
الرياضة فالفلك، فالفيزيقيا والكيمياء، فعلم الحياة (الذي يضمنه علم النفس) ثم يبقى بعد ذلك علم الاجتماع، وهو العلم الذي يزعم كونت أنه مؤسسه [6] .
المطلب الثالث: علم الاجتماع وعلاقته بالوضعية (الواقعية) عند كونت.
إن علم الاجتماع كما يتصوره كونت يتكون من الجانبين: السكوني والحركي للمجتمع (الاستاتيكي والديناميكي) .
فأما فيما يتعلق بالنوع الأول، فقد رأى أن العناصر الاجتماعية مرتبطة فيما بينها ارتباطاً وثيقاً في وفاق اجتماعي، بحيث يستحيل أن يتغير جزء من أجزائه تغيراً جذرياً دون أن تترتب على ذلك آثار خطيرة على المجتمع بأكمله.
وأما فيما يتعلق بالنوع الثاني، فقد رأى كونت أن التطور العقلي هو العلة الرئيسية للتغير الاجتماعي، وأن المجتمع الإنساني بناء على ذلك يمر بنفس المراحل اللاهوتية والميتافيزيقية والعلمية الوضعية التي تمر بها العلوم، وعلى ذلك فقد كانت هناك بادئ ذي بدء مرحلة من الحكم الديني، وهي مرحلة تقليدية اتسقت فيها السلطة بعد ذلك بين قوة الملوك الدنيوية وقوة الكهنة الروحانية.