فهرس الكتاب

الصفحة 8546 من 19127

وإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ضحى بالبقاء في وطنه في سبيل مبادئه وقيمة التي حال بينه وبينها كفار قريش حينما ساوموه عليها - فإن ذلك كان في حالٍ من التخيير بين المضيِّ في الدعوة إلى الإسلام مع الهجرة عن الوطن، أو التخلِّي عنها مع البقاء في الوطن، وحال من التضادِّ بين إعطاء الأولوية للإسلام، أو التنعم بالسّكنى في الوطن، والعيش بين الأهل والعشيرة؛ لذا قدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - في حدث الهجرة الدِّين على غيره، وقد أكَّد القرآن الكريم استحقاق الدين هذه الأولوية في قوله - تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] .

ولا يعني بحال أن الإسلام يغير انتماء الناس إلى أرضهم وشعوبهم وقبائلهم؛ فإن هذا أمرٌ ماديٌّ حسيٌّ واقعٌ، لا سبيل إلى تغييره، فالذي يولد في بلد يُنسب إليه، ولا يُنكر عليه محبته له؛ فإن بلالاً - رضي الله عنه - الذي هاجر إلى المدينة مضحِّياً بكل شيء في سبيل عقيدته هو الذي كان يهتف في دار الهجرة بالحنين إلى بلده مكة، في أبيات تمتلئ رقة، وتقطر حلاوة، ينشد - رضي الله عنه - فيقول:

هَلْ أَرِدَنْ يوماً مِياهَ مَجَنَّةٍ = وهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شامَةٌ وطَفِيلُ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت