وهو في أثناء ذلك يَعْرِضُ صُنوفًا من سماعه، وكثيرًا من آراء شُيُوخه، ولا سيما الخليل، فينقدها، أو يعلق عليها، أو يجعل منها تمامًا للمسألة التي يدرُسُها، أو تأييدًا لها، وكذلك يُزْجِي كثيرًا من لغات العرب، وفَيْضًا من الشواهد المتنوِّعة، بعضها آياتٌ من القرآن الكريم، وعِدَّتُها: 373، ولا يَفُوتُه أن يذكر قراءاتِها عند الحاجة إليها، وبعضُها الآخَرُ منَ الشِّعْرِ، وعدتها 871، ومن الرَّجَزِ، وعِدَّتُها 190، ولا يفوتُه أن يُصَحِّح نِسبَةَ الشواهد التي يرى أنَّها منسوبةٌ إلى غير أصحابها [31] .
تلك عِدَّةُ شواهد سيبويه بحَسَبِ إحصائِي لها، وبعض شواهده من الشعر والرَّجَزِ غير منسوب إلى قائليه، لكنَّ العلماءَ يثقون بشواهده كلِّها، ويتقبَّلونَها عنه بقَبول حسن، وله شواهدُ من الأحاديثِ النبويَّة، لكنه لا يذكرها بِما يَدُلُّ على أنَّها أحاديث، ومنها:
1 - (( سُبُّوحًا قُدُّوسًا ربَّ الملائكةِ والرُّوحِ ) ) [32] .
2 - (( ما من أيام أحبَّ إلى الله فيها الصومُ من عشر ذي الحجة ) ) [33] .
3 - (( كلُّ مولود يولد على الفطرة، حتَّى يكونَ أبواهُ هما يُهَوِّدانِه، وينصِّرانه ) ) [34] .
ويغلب على عبارة الكتاب التلاحُمُ والانسياب، حتَّى لَيَقِلُّ أن تمر فيها بمَقْطَعٍ يحسن الوقف عليه إلا حين يصرف القول عن وجهه إلى شاهد يرويه، أو سؤال يسأله، أو حوار يُدِيرُهُ، وهي واضحة بَيِّنَة حينًا، وغامضة مبهمة حينًا آخَرَ، ولا يلتزم الذهاب بها إلى معناها قصدًا، فربما طاب له الاستطراد إلى غير ما يكون فيه من مقام؛ كاستطراده من القول في الاشتغال إلى القول في صيغ المبالغة [35] .
ولا يكتفي سيبويه بواقع النصوص في استنباط الأحكام، ولكنه يلجأ أحيانًا إلى فَرْض الفُرُوض، ثم يشرِّع لها إكمالاً لصورٍ عقليَّة تتمثل في ذهنه، أو تدارُكًا لما فات النصوصَ أن تُلِمَّ به.