كذلك لا يقتصر على مسائل النحو والصرف؛ بل يَزِيد عليهما مباحثَ قيِّمةً رآها مَوصولةَ الأسباب بِهما، ونَقَلَهُا العلماءُ من بعده إلى علومٍ أخرى, ونكتفي هنا ببيان مواطن بعض هذه المباحث من"الكتاب"، ومواطنها من الكتب التي نقلت إليها، وليست من كتب النحو والصرف:
لقدْ نَقَلَ عبدُالقاهر إلى"أسرار البلاغة" [36] من باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى [37] ، ونقل إلى"دلائل الإعجاز" [38] من باب من النكرة يَجرى مَجرى ما فيه الألف واللام [39] ، ومن باب ما يحسن عليه السكوت [40] .
ونقل الثعالِبِيُّ إلى"أسرار العربية" [41] من باب مجاري أواخِرِ الكَلِمِ منَ العربية [42] ، وباب الحروف التي يجوز أن يليها بعدها الأسماء [43] ، وباب ما لُفِظَ به مِمَّا هو مثنى [44] .
وتحدث سيبويه في باب الإدغام حديثًا بارعًا عن حروف الهجاء، وعدَدِها، أصولاً وفروعًا، وعن مَخَارِجها وأنواعها، من مجهور ومهموس، وشديدٍ ورخْوٍ [45] .
ونلاحظ أنَّ سيبويه لم ينقُل عن شيوخه في هذه الأبواب التي ذكرناها، فهل علينا إذا قلنا: إنَّ سيبويهِ هُو واضعُ البلاغة والتجويد؟! [46]
وسيبويه بعد هذا يُشَقِّق الموضوعات المتشعِّبَة، ويفرِّقُها على عدة أبواب؛ فعرض الاستثناء في سَبْعَةَ عَشَرَ بابًا [47] ، والترخيم في اثني عَشَرَ [48] ، ثم هو يذكر بعض الأبواب في غير المواقع التي تُجانسها؛ فوضع القَسَم وحروفه بين التصغير ونونَيِ التوكيد [49] .
وبعدُ: فلا تَعْرِفُ العربية كتابًا حفل به الناس، وأفادوا منه على تعاقُب الأجيال ككتاب سيبويه؛ فقد ألفوا عنه كُتُبًا، وأداروا حولَهُ دراساتٍ لا تحصى كثرةً:
ألَّفُوا في شرحه، والتعليق عليه، والتمهيد له، وترتيب مسائله، وحلِّ مشكلاته، وتوضيح غريبه وشرح شواهده، وتجريد أحكامه، اختصروه، واختلفوا فيه ما بين متعصِّب عليه، ومتعصِّب له، وانتصر لهؤلاء أنصار ومؤيدون، ومنهم منِ انقطع له حتى حَفِظَهُ، أو أَتْقَنَ فَهْمَهُ وتخصص فيه.