ولم يُقَدَّرْ لسيبويه أن يقرأ الكتاب على أحد، أو أن يَقْرَأَهُ عليه أحد، وإنَّما قَرَأَهُ الناس بعده على أبي الحسن الأخفش [50] ؛ فقد وَرِثَ - رحمه الله - عِلْمَ سيبويه، وكان طريقَ الناس إليه؛ كما حَمَلَ سيبويه عِلْمَ الخليل، وكان طريقَ الناس إليه.
النحو وأشهر النُّحاة
فيما بين سِيبَوَيْهِ وانقسام الدولة العباسية
لم يَشْقَ النُّحاةُ بعلاج النحو بعد أن جاءهم كتاب سيبويه؛ فقد يسَّر لهم سبيله، بما أصَّل من أصول، واستخرج من كنوز، وأقام من حُجَجٍ، وقدَّم من شواهد، والتَمَسَ من عِلَلٍ؛ فَلَمْ يَدَعْ لهم إلا أن يدرُسُوه، ويَرَوْا رأيَهُم فيه نقدًا وخلافًا، أو مناصرة وتأييدًا، وإلا أن يستوحوه ويستمدِّوا لِمُصَنَّفاتِهم منه.
وهذا ما كان، فإذا لنا مِنْهُم أصنافٌ من الكتب، أبينَ طريقًا، وأقوَمَ تنسيقًا، وليست - مع ذلك - تخلو من رأي سديد، أو حُجَّة قاصدة، أو عِلَّة ناهضة، أو شاهد لا مغمزَ فيه، وليس ذلك منهم بالعمل القليل، ولا هو بالأمر اليسير، فتلك غايةُ ما تقضي به داعية الحال، وسُنَّة التطوُّر الذي أحدثه كتابُ سيبويه في عالم النحو والنحاة.
والآن هَلُمَّ إلى طائفة من أشهر نحاة هذه الحقبة.
1 -الأخفش:
هو سعيد بن مسعدة، الملقَّب بالأخفش، أصله من مَنْبِج، ثم سكن البصرة، وأخذ عن سيبويه، وكان يقول: ما وَضَعَ سيبويه شيئًا في كتابه إلا عَرَضَهُ عليَّ، وكانت له مكانةٌ رفيعةٌ في النحو بين البصريِّينَ والكوفيين، قرأ النَّحو على سيبويه، وهو وحده طريق الناس إلى كتابه، تُوُفِّيَ سنة 215 على التقريب [51] .
ومن مؤلَّفاته في النحو: كتاب"المقاييس"، و"الاشتقاق". وله آراء منثورة في كُتُب النحو، منها: أنه يُجيز جمْع أسماء العدد، ولا يُجيز غيره أن يجمع منها إلا المائة والألف [52] .
2 -المازنيُّ: