فهرس الكتاب

الصفحة 9454 من 19127

وهذا لا يَعْنِي أنَّ البصرة كانتْ أقلَّ من الكوفة تَحمّلاً لِلقرآن وروايةً للشعر، فقد كان الذين يحفظون القرآن كله في عهد أبي موسى الأشعري زهاء ثلاثمائة [70] . وكلّ ما كان من الأمر هنا وهناك - أنَّ الكوفَةَ آثَرَتِ العافية، وقَنَعَتْ بما حَفِظَتْ، واسْتَمْرَأَتِ الانقطاعَ للمعاودة والتّكرار، أمَّا البصرة فقد أُتِيحَ لها الحفظ، ووَضْعُ النحو فظفرت بِالحُسْنَيَيْنِ، ولَمْ تَجِدِ البصرةُ حاجةً إلى الأَخْذِ عنِ الكوفة، إلاَّ أَبَا زَيْدٍ، فإنَّه - فيما يقال - أخذ عن المفضَّل الضَّبِّيِّ [71] .

ثم إنَّ البصريِّين يُقَدِّمُونَ السماع على القياس إذا تعارضا [72] ، أمَّا الكوفِيّون فرُبَّما جعلوا كلِمَة القياس هي العليا وإن لم يعزِّزه شاهد؛ فقد منعوا تقدُّم الخَبَرِ على المبتدأ مُطلقًا، لئلا يتقدم الضميرُ الذي فيه على مَرْجِعِهِ؛ فَفِي قائمٌ - مَثَلاً - من قولنا: قائم زيد، ضمير زيد، ولم يأْبَهُوا لتأخُّر الخبر رُتْبَةً وإن تقدم لفظًا، ولا للمأثور من الشواهد [73] .

والآن هل للنحو مدارسُ أخرى؟

ينبغي قبل الإجابة عن هذا السؤال أن أُعَرِّفَ المدرسة، فهي: طائفة من العلماء، أوِ الأدباء، أو أهل الفن، تُؤَلِّفُ بينهم - في الإنتاج وصوره - أصولٌ ومناهجُ يلتَزِمُونَها، مع احتفاظ كلٍّ بخصائِصِ شخصِيَّتِه.

وهكذا كان أئمَّة النَّحو الأوَّلونَ في البصرة والكوفة إبَّان نشأتِه، فخرج النحو الذي صدر عنهم صدًى لما عند كل من الفريقين من مواهبَ، ولما أصَّل من أصول، وما أمدته العرب به من لغة، ولمَّا أنِ اشْتَدَّ عُودُهُ، ونضجت ثمرتُه، وآل مِن بعدهم إلى خُلفائهم - لم يجدوا به نقصًا فيُتِمُّوه، أو صَدْعًا فَيَرْأَبُوهُ، فلم يبق إلا أن ينظروا في النحوَيْن، ويأخذوا لمصنفاتهم من كليهما أرجَحَه عندهم، ومنهم من جعل النحو البَصْرِيَّ أَصْلاً، وزاد عليه ما دَعَتْ إليه الحاجة من النحو الكوفيِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت